خليل الصفدي
326
أعيان العصر وأعوان النصر
الحاوي في الفقه ، ولو لم يعرفه جيدا ما تصرف معه في نظمه ، ولا اقتدر على تسيير نجمه ، وله تاريخ جوده ، وبيض به وجه الزمان لما سوده ، وكتاب الكناش مجلدات ، وفوائد العلم فيه مخلدات ، وكتاب تقومي البلدان ، قال الإحسان بقوله فيه ودان وجدوله ، وهذبه وجدّ له فأتقنه ، لما وضعه ورتبه ، وقد أجاد فيه ما شاء ، ونزل تجويده في الأفاضل في صميم الأحشاء ، وله كتاب الموازين وهو صغير ، وصوب إفادته غزير ، وله غير ذلك . ونظم القريض والموشح ، واستخدم المعاني وأهلها ورشح ، وكان يعرف علوما جمة ، وفضائل يستعير البدر منها كماله وتمّه ، وأجود ما يعرفه الهيئة ، فإذا اشتبك الجدال عليه ، فره إليها وفيئه . وكانت عنده كتب نفيسة ملوكية قد حوتها خزانته ، وأمده على اقتنائها انتقاؤه وفطانته ، فملك منها الجواهر اليتيمة ، والزواهر التي هي في أفقه مقيمة ، وعلى كل حال فكان لسوق الفضل عنده نفاق ، وللعلم عنده تحقيق وصدق دون نفاق ، وللزمان به جملة جمال انساقت باقيا ، وبدر لا يزال في مطالع السعود راقيا ، وسلف سلافه من الجود يطوب بها إحسانه على العفاة ساقيا ، وفضلات فضل طالما أنشدها مؤملوه : ( الطويل ) وقد يجمع اللّه الشّتيتين بعد ما * يظنّان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا ولم يزل في ملكه ، ومسير فلكه ، إلى أن أصبح المؤيد وقد تخذل ، ورثي في معرك المنايا وقد تجدل . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - سنة اثنتين وسبعمائة ، سحر يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم ، ودفن ضحوة النهار عند تربة والده ظاهر البلد في الكهولة ، ولم يكمل الستين . ولما مات - رحمه اللّه تعالى - فرّق كتبه على أصحابه ، ووقف منها ورثاه الشعراء ؛ وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن نباته : ( المتقارب ) ما للنّدى لا يلبّي صوت داعيه * أظنّ أن ابن شاد قام ناعيه ما للرّجاء قد اشتدّت مذاهبه * ما للزّمان قد اسودّت نواحيه نعى المؤيّد ناعيه فيا أسفا * للغيث كيف غدت عنّا غواديه ومن شعره ، وقد غنى الناس به مدة : ( المتقارب ) اقرأ على طيب الحيا * ة سلام صبّ ذاب حزنا لو كان يشرى قربهم * بالمال ، والأرواح جدنا متجرّع كأس الفرا * ق يبيت للأشجان رهنا صبّ قضى ، وجدا * ولم يقضى له ما قد تمنّى