خليل الصفدي
273
أعيان العصر وأعوان النصر
الدمع بالكرى ، فكيف أنت يا سيّدي في هذه الأحوال ؟ ، وكيف أنت في مقاساة هذه الأحوال ؟ ، وكيف رأيت منها ما شيّب بثلجه نواصي الجبال ؟ ، وجاء بالبحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصيّ ، وخيوط السحب من حبال . أمّا نحن فبين أمواج من السحب تزدحم ، وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلّا من رحم ، وكيف سيدنا مع مجامر كانون ، وشرار برقها القادح ، وهمّ ودقها الفادح ، وقوس قزحها المتلوّن ، ردّ اللّه عليه صوائب سهامه ، وبدّل منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه ، وجعل حظّ مولانا من لوافحه « 1 » ما يذكيه ذهنه من ضرامه ، ومن سوافحه ما يولده فكره من توأمه ، وعوّضنا وإياه بالصيف ، واللّه يتقبل ، وأراحنا من هذا الشتاء ، ومشي غمامه المتبختر بكمّه المسبل بمنّه ، وكرمه إن - شاء اللّه تعالى - . فكتبت أنا الجواب : يقبّل الأرض ، وينهى ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلّة الدهر ، وحديقة ذكّرت بزمن الربيع ، وما تهديه أيامه من الزهر ، فوقف منها على الروض الذي تهدّلت فروع غصونه بالأثمار ، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموس وأقمار ، فأنشأت له أطرابه ، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا يفعله نغمة الشبابة ، وأرشفته سلافا كئوسها الحروف وكل نقطة حبابه ، وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم المتصلة الظلام ، فلا أوحش اللّه من طلعة الشمس وحاجب الهلال وعيون النجوم ، فما لنا ولهذه السحائب السحابة ، والغمائم السكّابة ، والرعود الصخّابة ، والبروق اللهابة ، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصّابة ، والبرد الذي أمست إبره لغصون الجلود قطّابة ، والزّميتا التي لا تروي عن أبي ذرّ « 2 » إلّا وتروي الغيث عن أبي قلابة « 3 » ، كلّما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق شرار جمرتها ، وكلّما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت مرهاء لما أسبلته من عبرتها . فما هذا شهر طوبة إن هذا إلّا جبل ثهلان ، وما هذا كانون إن هذا إلّا تنّور الطوفان ، وإلى متى قطن هذه الثلوج يطرح على جباب الجبال ، وإلى متى نقاض دلاص الأمطار ويرشقها قوس قزح بالنبال ، وإلى متى تشقق السحاب وما لها من الحلل والحبر ، وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو وفي أطرافها على الغدران إبر ، وإلى متى تجمد عيون
--> ( 1 ) لوافحه : يقال لفحته النار والسموم بحرها أحرقته وبابه قطع قال الأصمعي ما كان من الرياح له لفح فهو حر . وما كان له نفخ فهو برد . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 250 ) . ( 2 ) هو جندب بن جنادة الصحابي الجليل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يضرب به المثل في الصدق . ( 3 ) أبو قلابة هو : عبد اللّه بن زيد الجرمي التابعي ، المتوفى في سنة 104 ه .