خليل الصفدي
274
أعيان العصر وأعوان النصر
الغمام ، وتكحّلها البروق بالنار ، وإلى متى نثار هذه الفضّة وما يرى من النجوم دينار ، وإلى متى نحن نحنو على النار « حنو المرضعات على الفطيم » ، وإلى متى تبكي الميازيب : بكاء الأولياء بغير حزن إذا استولوا على مال اليتيم ، وإلى متى هذا البرق تتلوّى بطون حياته ، وتقلب حماليق العيون المحمرة من أسود غاباته ، وإلى متى يزمجر غيث هذه الرياح العاصفة ، وإلى متى يرسل الزمهرير أعوانا تصبح حلاوة الوجوه بها تالفة ، أترى هذه الأمطار تقلب بالأذيار ، أم هذه المواليد التي تنتهي فيها الأعمار ، كم جليد يذوب به قلب الجليد ، ويرى زجاجه الشفّاف أصلب من الحديد ، ووحل لا تمشي فيه هريرة الوحي ، وبرد لا تنتطق به نؤوم الضحى « اللهم حوالينا ولا علينا » لقد أضجرنا تراكم الثياب ، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب ، وانجماع كلّ عن إلفه وإغلاق باب القباب ، وتحلّل الضباب زوايا البيوت فالأطفال ضباب الضباب ، كل ضبّ منهم قد ألف باطن نافقائه ، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه ، قد حسد على النار من أمسى مذنبا ، وأمسى عاصيا ، وتمنّى أن يرى من فواكه الجنات عنّابا من النار وقراصيا ، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر مكارم مولانا فيا طول ما تسفح ، وإن كانت العواصف تتشبّه ببأسه فيا طول ما تلفح ، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرّع فيا طول ما تتألق ، وإن كانت قوس قزح تتلوّن خجلا من طروسه فيا طول ما تتألق ، وإن كانت الرعود تحاكي جوانح أعدائه فيا طول ما تشهق وتفهق ، وإن كانت السيول تجري وراء جوده ، فإنها تجري على طول المدى وما تلحق ، والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي والأليق ، بهذا الفضل أن لا يتعرّض ، فرحم اللّه من عرف قدره ، وتحقّق أنّ مولانا في الجود ندره ، أنهي ذلك . فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك ، وكتبت جوابه نظما ، وكتب هو الجواب عن ذلك نظما . وكتب إليّ وأنا بالقاهرة ، وهو يومئذ في دمشق رسالة في الثلج ، وكتبت جوابه وكتب هو إليّ رسالة ، يصف كثرة المطر نظما ونثرا ، وكتبت جوابه أيضا كذلك . وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ، وقد أوردت ذلك في كتابي « ألحان السواجع » . ولمّا توفى - رحمه اللّه تعالى - كتبت إلى أخيه القاضي علاء الدين صاحب دواوين الإنشاء أعزّيه ، ونسخته : يقبّل الأرض ، وينهى ما عنده من الألم الذي برّح ، والسقم الذي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرّح ، لما قدّره اللّه تعالى من وفاة القاضي شهاب الدين : ( المتقارب )