خليل الصفدي

203

أعيان العصر وأعوان النصر

قيل : إنه كتب خمس كراريس في يوم ، وهذا أمر قلّ أن يعهد من قوم ، شارك الناس في فنون ، وكان عنده من المسائل عيون ، له عبارة فصحى ، وحافظة لا تقبل ردّ السرد نصحا ، يحفظ أربعة دروس لمدارسه ، ويلقيها من فمه ، ويطلع في آفاقها بدور سطور ، كأنما يكتبها بقلمه ، ولا يكاد أحد يسبقه بسلام ، ولا يسمع في العفو وبالصفح عمّن يؤذيه ، كبير عذل أو صغير ملام . اشتهر بذلك وعرف ، وسار ذكره بذاك ، واسمه أحمد ، وصرف ، وله أموال ضخمة ، ومماليك وخدم وحشم وحشمة ، وينطوي على تعبّد وديانة ، وعفّة في الأحكام وأمانة ، وكان بصيرا بالأحكام مسعودا فيها ، قلّ أن أتى إليه زور إلّا وعرفه بديها ، وعرفه بذلك ، فلم يسلك معه أحد هذه المسالك ، وكان يخدم القادمين ويزورهم ، ويتردد إليهم وغيرهم ، وهداياه في أقطار الأرض إلى أعيان الدولة ، ومن دونهم من أرباب الصون أو الصولة ، ولذلك طالت مدّته ، وعلى كنفه كبار المذهب وأشياخه ، ومحذلقوه وأشراره وفراخه وعصره ، ملآن الجوانح بالأنداد والأضراب ، وفي وقته من يقول : لو أنصف لرآه ، وهو على بابه بوّاب ، ومع ذلك فلم يتكدر عليه شرب ، ولا تنفر له بما لا تشتهيه سرب ، وله أصحاب وأتراب منحدون ، وعشراء وخلطاء ؛ لبلاغه أخبار الناس متصدّون ، يواصلونه في كل يوم ولا يصدّون ، ويجتمع الناس عنده في بستانه اجتماعا عاما ، ويمد لهم خوانا قد نوّع فيه طعاما ، يرون فضله تامّا ، إلى غير ذلك من أنواع الحلوى ، والمأكل التي لا منّ فيها ولا سلوى . يقصده الشعراء في المواسم ، ويرون ثغور جوده وهي بواسم ، وكان قد اشتغل بمصر على الأصبهاني « 1 » في أصول الفقه ، ودرّس بالعادليّة « 2 » الصغرى وبالأمينية ، ثم بالغزاليّة مع قضاء العسكر مشيخة الشيوخ ، وولي القضاء سنة اثنتين وسبعمائة ، وأذن لجماعة في الإفتاء ، وخرّج له الشيخ صلاح الدين العلائي مشيخة ، فأجازه عليها بجملة . ولم يول على القضاء إلى أن نزل به القضا ، وقضى نحبه فأدّى حق العدم وقضى . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - فجأة في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة . وكان مولده سنة خمس وخمسين وستمائة . ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود وغيره .

--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمه له . ( 2 ) سبق ذكر ترجمه له .