خليل الصفدي

132

أعيان العصر وأعوان النصر

مقصورة ، قد خط عذاره بقلم الريحان ، وبسم عن ثغر كأنه الحباب على بنت الحان ، بعمّة أنيقة اللف دقيقة الصف ، وقلمه سريع الحركة ، وحروفه أحسن في دجى الحبر من النجوم المشتبكة ، واستخفّ الناس به ، وقالوا : هذا صغير على هذه الوظيفة ، قليل الدربة بتنفيذ أمور الدولة العالية المنيفة ، فلطف اللّه به ، وجاءت الجهات من عيونها ، وماتت نفوس حسّاده بغبونها ، وكان قلمه رطبا لا يرد سائله ، ولا يخيب من أمله وسائله ، رأد معاليم جماعة ، وأجرى قلمه بصلة الرزق ، ومد باعه ، إلّا أن الناس عبرت عيونهم عليه ، ولعبوا في التصريف بين يديه ، وقلّت حرمته ، وحلت بذاك جرمته ، ونهب المال وتمحّق ، ووقع في الضياع وتوهق ، فكتب الأمير سيف الدين يلبغا ، وطلب الصاحب شمس الدين موسى ، فحضر كما ذكر أولا ، ولم يجد الصاحب تقي الدين عن دمشق متحولا ، فلازم داره ، وأقام مكانه كالقمر في الدارة . وكان قد استدان من الصواف مبلغ ثمانين ألف ، واتفق في تلك المدة أن حضر الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق متوجها بالأمير فخر الدين إياس إلى نيابة حلب ، فطالب تقي الدين المذكور مطالبة فيها غلظة ، وأراه مع مهابته أخلاقا فظة ، وجدّ له واكفهرّ ، وجدّ له وازبأرّ ، فشفع فيه الأمير فخر الدين وضمن له القيام بذلك عند عوده من حلب ، وأنه ما يحوجه بعد هذا المجلس إلى طلب ، فلمّا كان قبل وصول الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق بليلة واحدة ، ثارت على تقي الدين حمى بالهلاك معترفة ، وللحياة جاحدة ، وتبيع مع الحمى دم كثير ، وهيج كرب للتلاف مثير ، أعجز الأطباء عن خلاصة أو فكاكه ، وتركوا ابن هلال في دائرة هلاكه . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - ليلة الجمعة السادس من شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وكان عمره خمسا وعشرين سنة . أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن نباته « 1 » ، ما كتبه إلى المذكور ( المتقارب ) هنّيت ما أوتيته من دولة * حملتك في العينين من إجلالها وانتقد الأفاضل عليه هذا المعنى ؛ لأنه ما يستقيم له المعنى الذي أراده ، فأنشدني بعد ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الخياط من لفظه لنفسه : ( الكامل ) إنّ الوزارة والكتابة لم تجد * أحدا سواك يزيد في إجلالها

--> ( 1 ) أورد له المصنف على ترجمة .