خليل الصفدي
110
أعيان العصر وأعوان النصر
إيّاك والبغي فشهب الرّدى * في أفق البغي غدت ثاقبه ما أحمد السّاقي الّذي مذ بغى * ما أحمد اللّه له عاقبه 87 - أحمد بن بكتمر « 1 » الأمير أحمد ابن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي . كان وجهه عليه لمحة من البدر ، ومهابته تملأ الجوانح والصدر ، مليحا إلى غاية جميلا في نهاية ، وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في محبته مغاليا ، ولم يره الناس في وقت منه خاليا ، كان يوما نائما على فخذ السلطان ، وقد عزم على الركوب ، وأحضرت الخيل والعساكر تنتظر قيامه والوثوب ، وأبوه بكتمر واقفا خجلا ، وقلبه يخفق وجلا ، وكلما هم بأخذه يمنعه ، ويكابده في أمره ويخدعه فقال : يا خوند الناس في خدمتك ، وأم في خدمته ، فقال : ما أركب حتى ينتبه أحمد من نومته ، وكان الناس يظنون أنه ابن السلطان يقينا ، ويقولون : ما رأينا مثله عنده مكينا ، وأمره مائة جعل مقدم ألف مع صغر سنه ، وجعل بعد ذلك شخصه في قلبه في كنه ، وكان هو صغير ضعيف القائمة ، لا يستطيع النهوض لعلّة له ملازمة ، فلم يزل السلطان عليه بالأدوية والعقاقير والمعالجة بأنواع من التداوي والتدابير إلى أن نهض غصنه قويما ، وانعطف قدّه من الميل سليما ، وزاد حسنه وبهاؤه ، وذهب عنه داؤه ، وأقبل دواؤه ، وصحّ من خمر الشباب انتشاؤه ، وثبت إلى القمرين انتماؤه . وزوّجه السلطان بابنة الأمير المرحوم تنكز نائب الشام ، وجرى ذلك العقد على أحسن ما يكون من النظام ، حسبك بهذه الدرة الثمينة ، وما جمع من هذا القرين وهذه القرينة ، وكان عرسها عرسا ما فرحت به بوران « 2 » ، ولا كان للفلك له دوران ، ووقف السلطان بنفسه ، وفي يده العصار ، ورتب السماط ترتيبا خالف فيه العادة وعصى ، واحتفل بذلك زائدا ، وجعل هواه لنفسه له قائدا ، العذر فيما توهمه في ذلك من الحسن والزين ؛ لأنهما ولدا مملوكيه العزيزين . وكان الأمير أحمد المذكور يقضي عند السلطان أشغالا لا يقضيها غيره ، ولا يحوم في جوها إلّا طيره ، ولم يزل بدره في مطلع سعوده ، ومعارج صعوده إلى أن توجه مع
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 318 ، والوافي بالوفيات : 6 / 266 . ( 2 ) بوران هي : زوجة المأمون ، وهي ابنة وزيره الحسن بن سهل .