خليل الصفدي
109
أعيان العصر وأعوان النصر
يقنع بغاية ، ولا يرى إلّا ما هو عنده نهاية ، ولقد ثبت في واقعة صفد ثبوتا دونه البال الرواسخ ، وأسكن جماعة ممن خالفه البرازخ . ويحكى عنه أنه لما نزل من القلعة ، ودّع صغار أولاده ، وثمرات فؤاده ، فقطع القلوب أسفا ، ورأى موته بعينه ، وهو في الحياة سلفا ، فقلت فيه : ( السريع ) عجبت من أحمد السّاقي وقد برزت * له العساكر في موضونة الزّرد ساق سقته اللّيالي كأس حادثها * وراح من صفد للحتف في صفد يعينه ربّه فيما ابتلاه به * فما على مثل ما لاقاه من جلد وجاءت الأخبار بأن الأمير سيف الدين قماري لما التقاه في قطيا عامله بأنواع من الإهانة ساعة اللقيا ، وأضاف زنجيرا إلى قيده ، وقرم يده بشدة وأيّده ، وقيل : إنه توجه به ماشيا ، وكاد لذلك يصبح جسده متلاشيا ، ولم يحسب له أحد في هذه المرة حساب السلامة ؛ لأنه فعل ما يوجب العذل والملامة ، ولكن لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 38 ] ، وإذا قدر أمر على المرء ، ما يفيده زجر ولا عتاب ، فأقام في سجنه تلك المدة ، وفرّج اللّه عنه من تلك الشدة ، ورسم له بنيابة حماة ، فتوجه إليها ، وقدم بعد الذل في عز دائم عليها ، فسبحان اللطيف الخبير ، ومن يرسل رياح الفرج ، فينشق المحزون منها نشر العبير ، وقلت أنا فيه أيضا : ( الوافر ) تلقّ حوادث الدّنيا بصبر * ففي صرف الزّمان ترى العجائب فهذا أحمد السّاقي توالى * عليه من القضا مطر المصائب وما أعطى له أحد حياة * وها هو في حماه اليوم نائب وكان فيها نائبا قد تمكن لا ترد له إشارة ، ولا يعطل السلطان مما يرومه عشاره ، كل ما يكتب به يجاب فيه بالقبول ، وكل ما يأباه يتلاشى غصنه إلى الذبول ، ولكن نفسه تريد بلوغ ما فيها ، وإدراك أمانيها ، وعقله من الصواب نفور ، ودمه - كما يقال - يفور إلى أن دبر ما دبر ، وأثار من الفتنة ما عاد على وجهه وغبر ، وكان هو الذي حرك ذاك الساكن ، وعمل على خراب ما دخله من المنازل والأماكن ، إلى أن خرب بيده بيوته ، وطار خلف الشر إلى الروم ؛ خوفا من أن يفوته ، ولم يزل بتلك الخنزوانة إلى أن غدر به ابن دلغادر وخانه ، وما زال عليه إلى أن أماته ونسي أمانه ، وأراه اللّه عقبى جناية الخيانة ، وجز في حلب رأسه ، وخرق من الحياة قرطاسه ، ولم ينفعه ياقوته ولا ماسه ، وتبرأ من فعله القبيح وسواسه ، ولم يرض له بالخنا خناسه فسبحان من بيده الحياة والنشور ، وإليه ترجع الأمور لا إله إلّا هو ، وقلت لما جز رأسه ، وجهز إلى مصر : ( المتقارب )