خليل الصفدي

107

أعيان العصر وأعوان النصر

قلعة صفد ، وقال : يا أمراء السلطان قد طلبني ، وأنا أتوجه إليه ، فقالوا له : خير فطلب مباشري ديوانه ، وقال : كم لنا في القلعة من القمح ؟ قالوا : مائة غرارة ففرّقها جميعها على مماليكه ، وقال : اطلعوا اقبضوها ، فلمّا طلعوا ، وصاروا فيها أنزلوا كل من فيها من المستخدمين ، وتملك القلعة مماليكه ، وقال لقماري : أنا أكتب إلى السلطان ، وأسير معك شخصا من جهتي بمطالعة مني وجهزها . وبلغ السلطان ذلك ، فكتب في الظاهر إلى سائر نواب الشام : أن أحمد الساقي قد شق العصا ، فاربطوا له الطرقات وأمسكوه ، وإن حارب فحاربوه ، وكتب إلى جميع عربان الطاعة بذلك ، وكتب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام أن يتوجه إليه بنفسه في العسكر الشامي ، فلمّا بلغ ذلك أحمد كاتب هو نائب الشام يتشفع به ، ويسأله أن يكون في جملة أمراء دمشق ، فكتب له إلى السلطان ، فأجيب إلى ذلك ، وكتب له أمان شريف ، فجهز ذلك إليه فلم يذعن ، وقال : لو حضر المرسوم بأن يجهز له أربعة آلاف فارس من دمشق ، ونائب غزة الأمير فارس الدين البكي بعسكر غزة ، والأمير سيف الدين بكلمش ناظر طرابلس بعسكرها ، فتوجه الجميع إليه في أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ، ولما وصل نائب غزة هو والنائب الذي عيّن مكانه بصفد ، وهو الأمير علاء الدين الطنبغا برناق إلى قرية المجدل ، جهز إليهما أحمد الساقي يقول : أنا ما أنا بعاصى ، ولكن هذه القلعة لا بد لها من نائب ، وأريد أن أكون بها نائبا ، فقالا له : إن كنت تريد ذلك ، فأطلق الأمير عزّ الدين أيدمر الشمسي ، والأمير عزّ الدين دقماق ، وكاتب السر ، وأخاه ناظر الجيش ، وكان قد اعتقلهم بالقلعة ، فقال : هؤلاء اعتقلتهم أيام حكمي ، والآن ما يخرجون إلّا بمرسوم شريف ، فطلع المذكوران بمن معهما إلى صفد ، فرمي عليهم بالنشاب والبندق والرصاص والزيارات والنفط ، وجرح بعض الخيل ، وطلع القلعة ، وأغلقها وشال الجسر . ولما كان يوم الجمعة الثامن عشر من المحرم ، اتّفق العسكر على الزحف على القلعة ، وإحراق الجسر ، وجهزوا إليه يعلمونه أنهم في غداة السبت يفعلون ذلك ، فاتق اللّه ، واحقن دماء المسلمين ، فأطلق من كان عنده في الاعتقال ، وقال للعسكر : احلفوا أن لا تؤذوني ، وأنا أتوجه إلى باب السلطان ، فحلفوا له ، وأخذوا سيفه ، وجهزه صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الكركي ، وجهز مملوكه الطنبغا إلى نائب الشام يطلب منه شفاعة ، فكتب له ذلك ، وجهزوا معه أميرا من الشام ، وأميرا من طرابلس ، وأميرا من صفد ، وأميرا من غزة ، وساروا به إلى باب السلطان في الثالث عشر من المحرم ، ورجعت العساكر إلى أماكنها . ولما وصلوا به إلى قطيا تلقاه الأمير سيف الدين قماري ، فأخذه في زنجير مقرم اليدين - على ما قيل - وتوجه به إلى ثغر الإسكندرية ، ولم يزل بها معتقلا إلى أن خلع