خليل الصفدي
106
أعيان العصر وأعوان النصر
فلا أعلم تخريجا أحسن منه ، ولا جزءا غيره ، كل الفوائد تؤخذ عنه ، جمع فيه بين الرواية والدّراية ، وبلغ فيه إلى غاية ، تدل على أنه آية ، فاللّه يشكر سعيه ، ويتولى بعينه رعيه ، وبمنّه وكرمه إن - شاء اللّه تعالى - . 86 - أحمد بن بدليك « 1 » الأمير شهاب الدين السّاقي المعروف بمشد الشرابخانا . ورد هو وإخوته الأمير سيف الدين شادي ، وسيف الدين حاجي ، وركن الدين عمر إلى مصر من البلاد الشرقية ، وخدم الأمير شهاب الدين أحمد عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ، فجعله ساقيا ، ولبث عنده مدة ، ورآه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأعجبه ، فأخذه منه ، والظاهر أنه أخذه بعد موت بكتمر ، وجعله مشد الشرابخانا ، ولم يزل عند السلطان في أعداد الخاصكية ، ولما توفى السلطان أخرج إلى صفد ، إمّا في أيام قوصون أو بعده ، أو أخرج إلى حلب ، ثم أعيد إلى مصر لما انقلبت الدولة ، ولما جهز الحاج أرقطاي « 2 » إلى نيابة حلب الأولى ، خرج هو معه ، أقره في النيابة على العادة ، ويعود فورد المرسوم ، وهو في حلب أن يتوجه إلى صفد ؛ ليقيم بها أميرا ، فأقام بها إلى أن قتل الكامل ، فتوجه إلى مصر ، ولما خلع المظفر ، كان هو من جملة من قام بخلعه وقتله ، وكانوا ستة تكتب المطالعة إلى السلطان ، ويطيرها إليهم ، وكان أحمد منهم ، وكانوا إذ ذاك بيبغاروس ، والأمير منجك ، والأمير سيف الدين شيخو ، والأمير سيف الدين طشتمر طليلة ، وسيف الدين الجييغا ، والأمير شهاب الدين أحمد المذكور ، ووقع بين هؤلاء المذكورين خلاف ، فقال الأمير شهاب الدين : أيش بنا هذه المرة ؟ ما فيها أحد من أولاد السلطان إلّا نجرا بالسيف ، ومن صح منا جلس على التخت فأذعن الجماعة له الطاعة ، وتركوه مدة أيام ، وأخرجوه إلى صفد نائبا عوضا عن الأمير سيف الدين قطز ، فوصل إليها في الثاني من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، ولم يزل بها مقيما إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير ، فحضر إليه الأمير قماري الحموي السلحدار في الظاهر ؛ بسبب الحوطة على موجود الوزير وحواصله ، وفي الباطن بإمساكه ، وكأنه فهم القضية ، فجهز إليه من تلقّاه من الطريق ، ولم يمكن أحدا من الاجتماع به ولا بمن معه ، ولما أراد قماري أن يتوجه قال له : يا خوند السلطان يطلبك ، فقال : لأي شيء ؟ ما قلت هذا في الأول ، ولا في الكتاب الذي على يدك أن معك مشافهة ، ولكن اطلبوا الأمراء فحضروا ، ومعهم نائب
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 317 ، والبداية النهاية : 14 / 247 . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة له في موضعها .