محمد بن شاكر الكتبي

158

فوات الوفيات والذيل عليها

وتوصّلا إلى غايات المعاني « 1 » ، وتوسلا ، وإقداما على الأسود في غابها ، وإرغاما لأعاديه بمنع رغابها ، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب ، ويتحدر سيله ذاكرة وحفظا ويتصبّب ، ويتدفق بحره بالجواهر كلاما ، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المسرعة « 2 » نظاما ، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة ، وتندى عبارته انسجاما وصياغة ، وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق ، ويغوص في لجّة البيان فيظفر بكبار اللؤلؤ من البحر العميق ؛ استوت بديهته وارتجاله ، وتأخر عن فروسيته من هذا الفنّ رجاله ، يكتب من رأس قلمه بديها ، ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيها ، وينظم من المقطوع والقصيدة جوهرا ، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهرا ، صرّف الزمان أمرا ونهيا ، ودبّر الممالك تنفيذا ورأيا ، ووصل الأرزاق بقلمه ، ورويت تواقيعه وهي إسجالات حكمه وحكمه ، لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره ولا يطلق على سواه : لا يعمل القول المكرّ * ر منه والرأي المردّد ظنّ يصيب به الغيو * ب إذا توخّى أو تعمد مثل الحسام إذا تأل * ق والشهاب إذا توقّد كالسيف يقطع وهو مس * لول ويرهب حين يغمد ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله ؛ على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين ابن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين بن العطار وغيرهم ، هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيّا ؛ رزقه اللّه أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره . وهي : الحافظة ، قلما طالع شيئا إلّا كان مستحضرا لأكثره ، والذاكرة التي إذا أراد ذكر شيء من زمن متقدّم كان ذلك حاضرا كأنه إنما مرّ به بالأمس ، والذكاء الذي تسلّط

--> ( 1 ) الوافي : المعالي . ( 2 ) الوافي : المتسرعة .