الذهبي

29

العقد الثمين في تراجم النحويين

إسناده صالح . قال أبو الحسن بن المرزبان : كان أبو محمد بن ماسي من دار كعب ينفذ إلى أبي عمر غلام ثعلب وقتا بعد وقت كفايته ما ينفق على نفسه ، فقطع ذلك عنه مدة لعذر ، ثم أنفذ إليه جملة ما كان في رسمه ، وكتب إليه يعتذر ، فرده ، وأمر أن يكتب على ظهر رقعته : أكرمتنا فملكتنا ، ثم أعرضت عنا ، فأرحتنا . قلت : هو كما قال أبو عمر ، لكنه لم يجمل في الرد ، فإن كان قد ملكه بإحسانه القديم ، فالتملك بحاله ، وجبر التأخير بمجيئه جملة وباعتذاره ، ولو أنه قال : وتركتنا فأعتقتنا ، لكان أليق . قال الخطيب أبو بكر في ترجمة أبي عمر الزاهد : ابن ماسي لا أشك أنه إبراهيم بن أيوب ، والد أبي محمد عبد اللّه . قال : وأخبرني عباس بن عمر ، سمعت أبا عمر الزاهد يقول : ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة ، وفي قضاء حقوقهم رفعة . قال الخطيب : سمعت غير واحد يحكي عن أبي عمر أن الأشراف والكتاب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها . وله جزء قد جمع فيه فضائل معاوية ، فكان لا يترك واحدا منهم يقرأ عليه شيئا حتى يبتدئ بقراءة ذلك الجزء . وكان جماعة من أهل الأدب لا يوثّقون أبا عمر في علم اللغة حتى قال لي عبيد اللّه بن أبي الفتح يقال : إن أبا عمر كان لو طار طائر لقال : حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ، ثم يذكر شيئا في معنى ذلك . فأما الحديث فرأيت جميع شيوخنا يوثقونه فيه ، وحدثنا علي بن أبي علي ، عن أبيه ، قال : ومن الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب ، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة فيما بلغني ، وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف ، ولسعة حفظه اتّهم . وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر أن السائل وضعه ، فيجيب عنه ، ثم يسأله غيره بعد سنة ، فيجيب بجوابه .