بهاء الدين الجندي اليمني

82

السلوك في طبقات العلماء والملوك

قلت بسنة رسول اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قلت أجتهد رأيي ، فقال الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه ، ثم قال يا معاذ إذا قدمت عليهم فزين الإسلام بعدلك وحلمك وصفحك وعفوك ، وحسن خلقك فإن الناس ناظرون إليك وقائلون : خيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلا يرى لك سقطة يستريب بها أحد في حلمك وعدلك ، وعلمك ، فإن الرسل من المرسلين ، ويا معاذ أوصيك بتقوى اللّه عزّ وجل وصدق الحديث ووفاء العهد وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ورحمة اليتيم وحفظ الجار وكظم الغيظ ولين الكلام وبذل السلام ولزوم الإمام والتفقه بالقرآن وحب الآخرة والجزع من الحساب وقصر الأمل وحسن العمل ، وأنهاك أن تشتم مسلما أو تصدق كاذبا أو تكذّب صادقا أو تعصي إماما عادلا وأن تفسد في الأرض ، يا معاذ اذكر اللّه عند كل شجر وحجر وأحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية ويسّر ولا تعسر وبشّر ولا تنفّر ، وستقدم على قوم أهل كتاب يسألونك عن مفاتيح الجنة : فقل شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . ثم لما ودعني بكيت فقال : ما يبكيك فقلت : أبكي لفراقك بأبي وأمي أنت فقال لا تبك فإن البكاء فتنة . فذكروا أن معاذا قدم الجند في جمادى الآخرة ، وأوصل كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بني الأسود وقد كانوا أسلموا ثم إنهم اجتمعوا في أول جمعة من رجب ، وخطبهم وفيهم جمع من اليهود فسألوه عن مفاتيح الجنة فقال : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مفاتيحها شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له فقالوا عجبنا من إصابتك الجواب وقولك : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أخبرني بسؤالكم هذا ، وكان قوله لهم سببا لإسلام من تأخر من اليهود وكان ذلك في محفل عظيم ، قد اجتمع فيه الناس من أماكن شتى ، ومن ثم ألف الناس إتيان الجند في أول جمعة من رجب يصلون بها الصلاة المشهورة ، ويشاهد في تلك الليلة بركات ولا تكاد تخلو ليلة الجمعة الأولى من رجب أو يوم خميسها من مطر ، هذا غالب الزمن . وكان معاذ يتردد بين مخلافي الجند ، وحضرموت ، وعنه أخذ جماعة من أهلها وصحبوه ، وتفقهوا به وخرجوا معه الحجاز ثم الشام ، وكان عمرو بن ميمون الأودي من خواص أصحابه فروى عنه أنه « 1 » قدم علينا معاذ من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طريق الشحر « 2 »

--> ( 1 ) كذا في الأصلين وكان الأنسب لو قال : قدم . ( 2 ) الشحر : بكسر أوله معروف وهو ساحل حضرموت .