بهاء الدين الجندي اليمني
52
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وكذلك المدرسة لاختلاطه بأطفال من غير حارته والطباع تسرق الطباعا . وصاحبنا الجندي قد ولد في مدرسة العلم وتربى في كنف والديه وهما ما هما من التقشف في الحياة والزهادة ، كما كان ملازما لوالده سفرا وحضرا ، ومن كان يحمل في طياته معاني العرفان تتجسد فيه روح القرآن وفي ربوة العلم وقرار التقوى والفضيلة وفي مدرسة مليئة بالأخلاق الكريمة فإنه حري أن يقوم على سنن مثلي ونهج مستقيم . مشايخه أما مشايخه في العلم فإن أول ما استقى معارفه من والده يوسف فرضع من لبان معارفه وغذي من درّ عواطفه وحنانه ، والأب لا يحب أحدا أن يكون مثله أو أحسن منه غير ولده فهو إذا المعلم الأول مربي الروح والجسد الذي صار مربيا ومعلما وأستاذا ومهذبا . ثم يأخذ في الصدارة من مشيخته أستاذه العلامة أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي الذي يذكره دائما وفي مناسبات شتى وبكل تقدير وإكبار . ومنهم شيخه أبو العباس أحمد بن بكر بن عمر المعروف بالأحنف . ومنهم إسماعيل الفلهاني وهو من الوافدين . ومنهم أبو العباس أحمد بن علي الحرازي . ومنهم عثمان الشرعبي الذي ناوله كراريس من التاريخ الذي كان قد شرع في تأريخه واستفاد منه كثيرا وقد سبق الإلماع إليه كما أن هؤلاء وغيرهم من مشيخته قد ترجم لهم في كتابه هذا . ومنهم أبو محمد عبد اللّه بن عمر بن سالم الفائشي وغيرهم كثير يطول تعدادهم وممن أخذ عنهم علماء وصاب والمخلاف ، وفي رحلاته المتعددة . ومن طموحات الجندي أنه متى سمع بقادم من العلماء وعرف هويته بادر سريعا للأخذ عنه وتتلمذ له فوعى عنهم الشيء الكثير ، وما عليك إلّا أن تترسّم خطاه في كتابه هذا لتعرف ما حكيناه عنه . وإذا قلنا إن بهاء الدين الجندي لم يفارق الدرس والتدريس والإفادة والاستفادة والأخذ والعطاء ولا فارق كتبه الثمينة لا في الحضر ولا في السفر - من المهد إلى اللحد لم نكن من المبالغين وإن ذلك حصيلة عمره ونتيجة دهره .