بهاء الدين الجندي اليمني

53

السلوك في طبقات العلماء والملوك

تلاميذه أما تلاميذه فالظن يغلب أنهم لا يحصرون لأنه درس في مدارس بلده الجند وفي مدارس عدن وتعز وغيرها وفي حطه وترحاله ، ولكنه لم يقيد ذلك ولا اهتم بما هنالك شأنه شأن نسيان نفسه وأبيه . ولاهتمامه بتحصيل العلوم لم يقتصر على تحصيل كتب متقنة الضبط مراجعة على شيوخ مبرزين معتمد عليهم ، ولو لم يكن من ذلك إلّا سنن أبي قرة طارق بن موسى الجندي لكفاه شرفا . علمه وزهده وورعه لمثابرته في أخذ العلوم والفنون فقد صار وعاء لها والوعاء السليم يحتفظ بما فيه فلا يخرج منها إلا بقدر وعلى حسب ما يريد ولا ينفق إلا طيبا فينفق الزهد والورع والإرشاد والإصلاح والعمل بعلمه حتى صار الزاهد المعروف ، والعابد الموصوف ، عزوف النفس عالي الهمة ذا أخلاق مثالية لم يمل به حب الحياة لا ذات الشمال ولا ذات اليمين ولا أغرته زخارفها فانغمس في وحلها وزلق في مهاوي ملذاتها بل كان بعيدا كل البعد عن ملاهي الحياة ومغرياتها . لهذا تجده إذا ترجم لأحد من العلماء الورعين والرؤساء المقسطين والقضاة العادلين كيف يشيد بهم ويكثر الثناء عليهم ويضرب بهم الأمثال . بينما ينحي باللائمة على من يخالف الخصال الشريفة والخلال الحميدة ويتبع غير سبيل الأتقياء والعلماء العاملين ، ويمقتهم ويسجل هفواتهم ويقبح أعمالهم ، كل ذلك ليهتدي الخلق إلى طريق السلف الصالح ويقتدي بآثارهم . المناصب التي شغلها ونيطت به هواية الجندي هي العلم والعلم وحده ، فإذا جاءته مناصب منقادة طيّعة بدون طلب ولا إلحاح ولا وقوف على أبواب الملك قبلها ، لا سيما إذا كانت هذه المناصب تتعلق بالعلم ، وكان ملوك بني رسول وقضاتهم يضعون ثقتهم بالقاضي بهاء الدين الجندي لما اشتمل برداه من التقوى الصادقة والأمانة المتفوقة والاستقامة الحقة . ورغم قبوله لتلك المناصب التي ربما عدّها من المصائب وعبئا ثقيلا حمله ونكبة تجر عليه المحن والويلات فكثيرا ما كان يتأفف منها ويترفع عنها ويبرر قبولها بقوله : « ومحنت بالحسبة لكثرة عول ، وعدم طول ، مما يدل أنه لم يقبلها إلّا مضطرا