بهاء الدين الجندي اليمني

51

السلوك في طبقات العلماء والملوك

من هذا نرى أن مولده في مدينة « الجند » ، ويا ليته حدد يوم مولده والشهر والسنة ولكنه أغفل كل ذلك . كما أرشدنا أنه قام برحلات مع والده مبكرا ، مما أهّله فيما بعد لأن يضع كتابه « السلوك » برحلات هي أضنى وأشق . وهنا ندرك ضعف الإنسان . ذلك أن « الجندي » لحقه الضعف البشري كسائر بني الإنسان فلم يترجم لنفسه سواء كان نسيانا منه أو فرارا من حب الظهور الذي يقال عنه : حب الظهور ، قاصم الظهور . أو أنه فضل الخمول على الظهور على حد قولهم : رحم اللّه قبرا لا يعرف . وقولهم : السعيد من لا يذكره التاريخ . وقد كان أستاذه « ابن سمرة » أبرع منه إذ ترجم لنفسه في أول مقدمة كتابه « الطبقات » . كما أن الجندي رحمه اللّه كبا كبوة الجواد ألا وهو أنه أهمل ترجمة والده ومن أعز من الأب وأحنى منه وكيف نسيه وهو بضعة من أبيه ، وهو رجل العلم والفضل والزهادة والرواية والدراية والأديب والشاعر الذي يحفظ الشعر ويقرضه ويجيده وكان مدرّسا ومفتيا وقاضيا . فرحم اللّه أبا عبد اللّه البهاء الجندي . لقد ترك في نفوسنا فراغا كبيرا لمعرفة حياته وتطورها وكذلك حياة والده ولكن : سبحان المتفرد بالكمال ، وسبحان ذي العزة والجلال . دراسته ، حياته العلمية ، ومشايخه إن الأبوين والمنزل أو البيت هما في الدرجة الأولى في تربية الطفل وتنشئته ، صالحة ليخرج نباته طيبا يعبق بأريج فواح ، والعكس بالعكس . وقد أومأ الحديث الشريف إلى ذلك مما لا حاجة لإيراده وقال الشاعر : وينشأ ناشئ الفتيان فينا * على ما كان عوّده أبوه ويقول حافظ إبراهيم : الأمّ مدرسة إذا أعددتها * أعددت شعبا طيب الأعراق ويلي ذلك في الدرجة الثانية البيئة والمدرسة فإن البيئة وهي الوسط الذي يعيش فيه الصبي محل لعبه وأطفال حارته وجيرانه له أثر كبير في تكوين طباع الإنسان