بهاء الدين الجندي اليمني

440

السلوك في طبقات العلماء والملوك

فقالوا لا نفعل ذلك حتى يكون بأيدينا ذمّة أنه لا يبقى يتصرّف علينا ، ففعل السلطان لهم ذلك وحقّقوا عليه جملة مستكثرة وهمّوا أن يبطشوا به لولا مانع عنه جماعة من أهل الدولة ، ثم صودر وضرب ثلاث مرات فسلّم ثلاثمائة ألف دينار ثم ضرب وعصر « 1 » فلم يقدر على شيء وصارت جاريته وبناته يدرن بيوت أصحابه الذين كان يواليهم فيقفلون في وجوههم الأبواب فقدّر أن جاءوا باب القاضي فوجدوه مفتوحا فدخلوه فحين وقعت عين القاضي عليهم رحب بهم ورقّ لهم وبكى ، ثم ناولهم صرّة بها ثلاثمائة دينار فضة بعد أن أطعمهم وبرّهم فلما عادوا إلى أبيهم سألهم عن حالهم وأخبروه القصة ، فكان بعد ذلك يقول لمن يتحدّث معه وربما ابتدأ ذلك ما البعيد إلا ولد زنا ، وذلك أنني أسأت كثيرا كثيرا إلى هذا القاضي وجرى منه ما هو كذا وكذا ، وفي عدن جماعة أصحاب أحسنت إليهم وصاروا أهل ثروة ما أعلم أحدا منهم لما نكبت كان يسلّم عليّ السلام الشرعي ، ولو لم يكن لهذا القاضي من المكارم غير هذه لكانت كافية شافية ، وله مصنّف جيّد في أصول الدين ، وسأذكر بعض ما جرى بينه وبين البيلقاني حين أذكره في الواردين إلى عدن . ومكارم هذا الرجل كثيرة ، وكانت وفاته بثغر عدن يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى وستين وستمائة ، وقبر بالقطيع في حياط ينسب إلى آل الفارسي الآتي ذكرهم في أهل عدن إن شاء اللّه وإلى جنبه قبر جماعة من الحكام الذين توفوا بعده كما سيأتي إن شاء اللّه ، وقد زرت قبره مرارا وتبركت به وقد عرض مع ذكره رجلان من الأعيان ، الأول أبو محمد عباس بن عبد الجليل بن عبد الرحمن التغلبي أصل بلده جبل ذخر بفتح الذال المعجمة وخفض الخاء وسكون الراء « 2 » كان ذا مال جزيل وجاه كبير ، أكثر ماله من التجارة وكان أكثر الناس صدقة ومعروفا ، وكانت ولايته تارة بعدن وغالبها زبيد وله فيها مدرسة حسنة جعلها ابنه محمد بعد موته وهي الدار التي كانت لأبيه وكذلك في بيت حسين وله بقرية السلامة مسجد وله على كل وقف يقوم به وصدقاته كثيرة ، ومعاملته مع اللّه جليلة بحيث يعزّ حصرها ، وكان إذا أقبل الحجاج وهو في بلد مرّوا عنده فيكسوهم ويعطيهم ما يوصلهم بلدهم التي يذكرون أنهم قاصدون لها ، وإن كانوا من البلد أعطاهم ما يزيلون به وعثاء السفر ، وقد أخبرني الثقة أنه كان يتشبّه بهم جماعة في زيّهم يأتون إليه فيعطيهم ما يليق بحالهم ، وله من الآثار المبقية للذكر

--> ( 1 ) العصر كأنّه بآلة معروفة بإدخال الرجلين في تلك الآلة . ( 2 ) ذخر كما ضبطه المؤلف تقدم ذكره وأنه الذي يسمى اليوم جبل حبشي وهو غرب جنوب تعز .