بهاء الدين الجندي اليمني

418

السلوك في طبقات العلماء والملوك

مرّ بهم في ثاني يوم أو ثالثه فظنوا أن الناس عملوا لهم طعاما فيه منجا « 1 » وأشاعوا ذلك حتى استطار في العرب ، ثم مرّ بعدهم بعرب آخرين وقد صار على مرحلتين من مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأرادوا مصارعة القافلة أيضا ، وكانوا في حرة ذات أحجار « 2 » متقشفة لا يقدر أحد على الانحطاط عليها ، فحيّر القافلة والفقيه في الساقة « 3 » وتلك عادته ، حتى إذا مرّ بمنقطع أمر بزوال انقطاعه إما يستقي ماء أو يحمل حملا أو غير ذلك ، وبقيت القافلة متحيرة واقفة بالشمس حتى كاد يهلك منهم خلق كثير ، والفقيه مطرق ساكت ، فضجر الشيخ على ابن نعيم وأمر الجمال أن تعدل بمحمله عن الطريق ويقتاده إلى حيث الفقيه ، والفقيه واقف ، فلما دنا من الفقيه قال يا سيدي الفقيه إلى كم يكون هذا الوقوف ؟ فقال له يا شيخ عليّ تأدّب ، هذا الرب ، وأشار بيده إلى السماء وهذا النبيّ ، وأشار إلى قدو المدينة « 4 » فاستحى ابن نعيم ، وعاد مسرعا إلى مقامه الذي كان فيه أولا ، ثم لما طال الوقوف عليهم أمر الفقيه الناس أن ينزلوا فنزلوا بموضعهم وسهل اللّه عليهم النزول فيه ووطأه لهم ، فلما أقبل العشاء أو وقت العشاء أمر الفقيه الدليل أن يجمع طعاما للعرب يتعشونه ، فلما وصلهم به قالوا تريدون أن تمنّجونا كما منّجتم بني فلان ؟ ثم باتوا محارسين وحطّوا محطة بأولادهم ومواشيهم في مقابلة قافلة الفقيه ينتظرون غفلة من القافلة ويفتكون بها نهبا ، فبات الناس على حذر ، وراجع الفقيه العرب من أول ما أمسكوا القافلة على أنهم يقبلون ما يليق بحال أهل القافلة فأبوا . قال المخبر : فلما كان في اليوم الثاني أصبح العرب يناوشون الناس ويتهدّدونهم طلبا للشر ، والفقيه يأمرهم بالصبر والاحتمال ، وقد صلّى الصبح وصار يذكر اللّه تعالى ، فما كادت الشمس تطلع رمحين أو ثلاثة حتى سمعت طبلخانة قد أقبلت من قدو المدينة ، ثم بعد ساعة ظهرت ومعها عسكر جرّار فحين رأوا البدو حملوا عليهم وقتلوا ونهبوا وأسروا وسبوا حريمهم وأولادهم ، فحينئذ شدّت القافلة وسارت ، ثم سئل العسكر عن موجب خروجهم وغارتهم ، فقالوا لما كان هاجرة « 5 » أمس سمعنا بالمدينة مناديا ينادي أن العرب قد اعترضت ابن عجيل وقافلته ، فالغارة الغارة مأجورين ، فأمر

--> ( 1 ) المنج شجر معروف عند عامة الناس يصنع منه مخدّر ويقال له البنج ، وصواب العبارة فيه منج برفع منج . ( 2 ) الحرة : معروفة ذات حجر سوداء وغيرها ، والمتقشفة المقشوعة الخشنة . ( 3 ) الساقة : مؤخر القوم . ( 4 ) القدو لغة يمانية فصحى أي قدام أو أمام الوجه ، ويقال قدى بكسر القاف وآخره ألف مقصورة . ( 5 ) الهاجرة من النهار : وقت الظهيرة وشدة الحرب .