بهاء الدين الجندي اليمني
419
السلوك في طبقات العلماء والملوك
الشريف من صاح بعسكره والخروج للغارة ، فنظر الناس ، وإذا هو الوقت الذي قال فيه الفقيه لابن نعيم تأدّب يا شيخ ، فهذا الربّ وهذا النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وعلى الجملة فأحواله أكثر من أن تحصر وفضائله أعظم من أن تنشر . ولقد أخبرني الفقيه الصالح عبد الرحمن بن أبي بكر الحجازي المقيم برباط النور عند تربة الشيخ مسعود قبليّ مدينة زبيد « 1 » قال أخبرني الفقيه الصالح علي بن الأسود المالكي عرف بالعجمي قال رأيت الفقيه أحمد بالمنام قبل موته بمدة فقلت له : يا فقيه مشت أحوالكم مع الغز بجلالتكم واحترامكم حتى لم تذوقوا ما تذوّقه المستضعفون من الناس ، فنظر إلي الفقيه وقال مدّ بصرك إلى المشرق ، فنظرت إلى هناك ، وإذا بقوم عليهم فرجنات صوف « 2 » فأشاروا وقال هؤلاء واللّه يستبيحون دماءكم ونساءكم وأموالكم ، كما يستباح عرق الجبين ، وأن الغز أجروا العدل عليكم ، وكان مع ذلك كلام طويل بيني وبين الفقيه ، هذا زبدته . قلت وهذا المنام يؤيد منام الفقيه الحبيشي الذي رواه أبو السعود . . أخبرني الثقة أنه كان متى دخل مكة اشتغل الناس بالسلام عليه عن كل شيء ومتى صار في المطاف أو في الحرم ترك الناس أشغالهم وأقبلوا على تقبيل يده والتبرّك بمصافحته ، فيقول يا هؤلاء أنتم في بيت اللّه ومحلّ بركته ورحمته ، وأنا مثلكم مخلوق فلا يزدادون بذلك إلا إقبالا عليه . ولقد أخبر الثقة أنه سمع ثقة خبيرا من أهل مكة وذوي الدين والصلاح والعلم يقول لي من العمر كذا وكذا مدة ، فذكرها مدة طويلة قلّ من يعيشها « 3 » ، ثم لم يزل العلماء يدخلون مكة وفيهم من يقف ومن يرجع إلى بلده فما رأيت فيهم أحدا إلا ونور الكعبة وعظمتها يزيدان عليه إلا ما كان من ابن عجيل ، فإنه كان متى دخل الحرم زادت عظمته ونوره على نور الكعبة بحيث لا يبقى للناس تعلّق بغيره ، ولقد أخبرني الثقة من أهل بغداد أنه كان مقيما بأم عبيد « 4 » بمقام سيدنا الأكمل أبي الحسن أحمد الرفاعي نفع اللّه به ، فدعتني المقادير في بعض السنين إلى الحجّ فحججت ، فلما صرت بمكة وجدت هذا الفقيه المذكور وقد اشتغل الناس به عن كل شيء وحتى أنه متى برز للطواف لم يكد يفرغ من طوافه إلا بعد مشقة لكثرة شغل الناس به قال فلما عدت أم عبيد سألني صاحب المقام عن عجيب ما رأيت فأخبرته بما رأيت من الفقيه أحمد ، فقال يا ولدي هذه أمارة القطب ،
--> ( 1 ) رباط النور : خارج زبيد من الجنوب . ( 2 ) فرجنات : نوع من الثياب الصوف مفرجة من الخلف أي لها شقوق . ( 3 ) في « ب » قل من يعيش مثلها . ( 4 ) سيأتي ذكر أم عبيد للمؤلف في ترجمة الرفاعي .