بهاء الدين الجندي اليمني
417
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وعبد الرحمن فلما طابت ذؤال عاد الفقيه إلى المدرسة وبقيا بها إلى أن ماتا وكان إماما من أئمة المسلمين ، وعمدة المتّقين وقدوة للورعين والمتزهّدين لم يكن في الفقهاء المتأخرين من هو أدق نظرا في الفقه ولا أعرف به منه غواصا على دقائقه ، أجمع على تفضيله المخالف والمؤالف ، لم أعلم أن أحدا أمترى في صلاحه من المسلمين ، به تفقه جماعة كثير من نواح شتى وكان مبارك التدريس دقيق النظر فيه وحواشيه على المهذب والتنبيه وغيرهما من كتب الفقه تدل على ذلك ، وإلى ذلك أشار شيخنا أبو الحسن الأصبحي حين سئل عن شيء من معاني كلامه على بعض مشكلات المهذب ، فأجاب على ذلك وبيّنه ثم أثنى عليه وقال : ما مثلنا ومثل هذا الإمام إلّا كما قال أبو حامد الأسفرائيني في حق ابن سريج نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه . وكان صاحب كرامات كثيرة ( مشهورة ) « 1 » يظهر منها ما يظهر عن كره منه ، وكان أكثر الناس لها كتمانا ، وكانت الملوك تصله وتزوره وتتبرك به ، وتقبل شفاعته وتعظّمه ويريدون مسامحته فيما يزرعه فيأبى ويقول : أكون من جملة الرعيّة الدفاعة « 2 » ويسألونه قبول شيء من أموالهم إمّا لنفسه أو يفرّقه على من يراه محتاجا فلا يقبل منهم ، وله كرامات كثيرة مع أنه كان قلّ أن يظهر منه ، وذلك ما أخبرني والدي عن بعض ثقات أصحابه قال : حضرنا معه جماعة « 3 » فتذاكرنا كرامات الصالحين وربما عنيناه على عدم ذلك ، فضربنا له مثلا بأهل عواجة وبإسماعيل الحضرمي ومن ماثلهم فقال : لكلّ وليّ إناء ملآن ، وما ظهر من كراماته فهو بعض من الإناء ، وأحب ألقى اللّه بإناء ملآن . وأخبرني الثقة عن بعض كرامته أنه حجّ في بعض سني حجّاته فخرج عليهم عرب وأرادوا نهبهم ، وكان متى حجّ حجّ معه خلق كثير من أهل اليمن تبركا به وأنسا ، فلا يكاد يتعرّض لهم أحد بسوء وإن تعرّض لم يفلح ، فلما همّ العرب بنهبهم أمر الفقيه مناديا أن ينادي أن تحطّ القافلة فحطّت فقالوا نبيع ونشتري معهم يومين ثلاثا ثم ننهبهم بعد ذلك ، ثم لما كان الليل ألقى اللّه على العرب النوم فناموا على آخرهم ، ولما تهور « 4 » الليل أمر الفقيه الناس بالرحيل فارتحلوا والقوم نيام فلم يوقظهم إلا بعض من
--> ( 1 ) مشهورة من « ب » . ( 2 ) الدفاعة : صفة مبالغة للرعية الكثيري الدفع للواجبات وما تفرض عليهم الحكومات من مغارم وجبايات ، والكلمة مستعملة إلى عهدنا وما تسلّمه الرعايا تسمى « الدفعة » . ( 3 ) كذا في « د » وفي ( ب ) « زيادة » « يوما » بعد حضرنا . ( 4 ) تهوّر الليل : ذهب أكثره .