بهاء الدين الجندي اليمني

389

السلوك في طبقات العلماء والملوك

كما قال : درّس بسير عدة سنين وأخذ عنه جمع من الطلبة وسيأتي بيان ذلك ، وكانت وفاته على طريق التقريب سنة ثمانين وستمائة ، بذلك أخبرني فقيه جبا وحاكمها حين دخلتها بالتاريخ المتقدم وخلفه في التدريس والطريق المرضي أخوه عثمان بن عبد اللّه تفقّه بتهامة على عبد اللّه بن إبراهيم بن عجيل وأخذ عن أخيه يحيى ، وكان جيدا صالحا كثير العزلة ببيته ، ويدرس فيه قل أن يخرج منه إلا يوم الجمعة ، وكان زاهدا ورعا متقللا وكان نظيف الفقه لزوما للسنّة ، أخبرني ابن أخيه الفقيه علي بن أبي بكر أحد فقهائهم وأخيارهم عام قدمت عليهم بالتاريخ المتقدم أنه أسرّ إليه أنه قال : رأيت رؤيا إن عشت لا أخبر بها أحدا ، وإن مت فأنت بالخيرة ، رأيت لثمان بقين من رجب جماعة فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فدنا مني وقبّل بين عيني فقلت : اللهم اجعلها لي عندك وديعة وذخرا ، فاغفر لي يا خير الغافرين وما أظنني أعيش بعدها فقلت : ولم ذاك ؟ قال : إن ابن نباته الخطيب رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يقبله فلم يعش بعد ذلك غير اثني عشر يوما ، ثم لم يعش بعد ذلك سوى عشرين يوما إذ مات يوم السبت خامس عشر من شعبان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة وهو ابن ثلاث وستين سنة . وقد عرض مع ذكر هذا الرجل المبارك ذكر الخطيب ابن نباتة وهو أحد أعيان العلماء المشهورين ورأس الخطباء المذكورين ، فأحب بيان بعض اللائق به من أحواله على ما بلغني وصفة رؤياه التي أشار الفقيه إليها ، فهو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي ، فنباتة : بضم النون وفتح الباء الموحدة بعد ألف وتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم هاء ساكنة ، مولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . قال ابن خلكان في حقه : هو صاحب الخطب المشهورة ، كان إماما في علوم الأدب ، ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها ، وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته ، وهو من أهل ميافارقين ، وكان خطيب حلب ، وفيها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان ، وذكروا أنه سمع منه بعض ديوانه وكان سيف الدولة كثير الغزو ، ولهذا أكثر الخطيب من خطب الجهاد ليحضّ الناس عليه ويحثّهم على نصرة سيف الدولة ، وكان رجلا صالحا رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، قلت رؤياه مشهورة وجدتها بخط شيخي القاضي أحمد بن عبد اللّه العرشاني ، وفي بعض كتبه بسند أعرضت عن إيراده ميلا للاختصار قال : رأيت فيما يرى النائم ليلة الجمعة كأنني خارج من باب من أبواب ميافارقين يعرف بباب ( أرزد ) بألف مهموزة وراء ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم دال مهملة ساكنة ، وجدته مضبوطا كذلك