بهاء الدين الجندي اليمني
390
السلوك في طبقات العلماء والملوك
فحققته . نرجع إلى كلام الخطيب قال : خرجت طالبا زيارة تراب أهلي « 1 » وإذا بجماعة كثير قد لقوني وفي وسطهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكأني سألت عنهم فقيل : هؤلاء من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، فتقدمت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخذت بيده الكريمة فقبلتها وقلت له : رفع اللّه درجتك ، تقبّل اللّه شفاعتك ، رحم اللّه أمتك . فأجابني صلّى اللّه عليه وسلم على السجع ، وقال : أقال اللّه عثرتك ، غفر اللّه زلّتك ، أحسن اللّه معونتك ، ثم التفت إلى الجماعة التي حوله وقال : سلّموا على خطيب الخطباء فسلّموا علي وسلمت عليهم ثم قال لي : يا خطيب الخطباء كيف قلت ، وأومأ بيده الشريفة إلى الجبانة كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة ولم يعدّوا في الأحياء مرة ، أعد الفصل من أوله ، فابتدأت من أول الموعظة بخطابة وترسّل وهو صلّى اللّه عليه وسلم يبكي والجماعة يبكون لبكائه إلى أن وصلت خاتمة الخطبة وقلت : أسكتهم اللّه الذي أنطقهم وأبادهم الذي خلقهم ، وسيجددهم كما أخلقهم ، ويجمعهم كما فرّقهم يوم يعيد اللّه العالمين خلقا جديدا ، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا ، ثم أومأت بيدي إليه صلّى اللّه عليه وسلم وإليهم وقلت : يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا ، فقال لي صلّى اللّه عليه وسلم : « أحسنت يا خطيب الخطباء لا فضّ اللّه فاك » قال : افتح فاك ففتحته فتفل فيه صلّى اللّه عليه وسلم ثم انتبهت ورائحة المسك يتضوع من فيّ ، وبقي رضي اللّه عنه أياما كثيرة ورائحة المسك تتضوع من فيه ، واعتبرت خطبه وتصانيفه فوجد ما بعد هذا المنام أفصح وأحلى مما قبله ، واختلف في مدة بقائه بعد ذلك فقال ابن خلكان : عاش بعدها ثمانية عشر يوما لا يستطعم طعاما ولا شرابا لبركة تلك التفلة ، وهذه الخطبة هي التي فيها هذه الكلمات تعرف بالمنامية لهذه الوقعة ، وذكر فيما رأيت بخط شيخنا المذكور أولا الذي وجدت القصة بخطه أنه عاش بعد المنام أربعين يوما . وأما الذي ذكره الفقيه عثمان ، وهو من العلماء المأخوذ عنهم ، أنه لم يعش غير اثني عشر يوما ثم لم يعش هو أيضا بعد المنام غير اثني عشر يوما كما قدمنا : وكانت وفاة الخطيب بميافارقين سنة أربع وسبعين وثلاثمائة . قال ابن خلكان : ورأيت في بعض المجاميع ، قال الوزير أبو القاسم بن المغربي : رأيت الخطيب ابن نباتة بعد موته في المنام فقلت : ما فعل اللّه بك ، قال : دفع إليّ ورقة وفيها سطران بالأحمر هما :
--> ( 1 ) هذه العبارة غير موجودة في الوفيات وقد تصرف المؤلف بكلام الخطيب تصرفا مخلا كما هي عادته انظر « الوفيات » ج 2 ص 331 .