بهاء الدين الجندي اليمني

387

السلوك في طبقات العلماء والملوك

قد يجتمع معهم نحو المائة طالب يقومون بكفايتهم من الطعام ، ولا أجد ذلك إلا بركة هذا الرجل الشيخ يحيى ، وكان كثير الزيارة لفقهاء ذي أشرق فلما سمعهم يثنون على الفقيه إبراهيم بن حديق بجودة الفقه والدين سأله أن ينتقل معه إلى جبا ليقرئ ابنه هذا أبا بكر وغيره ، فأجابه وسار إلى جبا ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه . ولقد قدمت جبا في جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة لغرض زيارة تربته ، وتربة الأخيار حوله من ذريته ، وغيرهم فوجدت ذريته على الحال المرضي من الإطعام والإيناس لمن ورد عليهم ، بحيث غلب على ظني عدم وجود مثلهم في اليمن ، لا سيما في الجبال إذ قد يذكر عن بني البجلي ما يضاهي ذلك . وبحثت عن تاريخ الشيخ فلم أجده . وأما ولده أبو بكر فذكره ابن سمرة وقال : تفقّه بشيخي علي بن أبي بكر ، ولعل ذلك كان في بداية أمره ، فإني رأيت طبقة سماعه للمهذب إنما يرويه عن إبراهيم بن حديق . وأخذ التنبيه عن غيره وغير من ذكره ابن سمرة أنه تفقّه عليه وأخذ عن الإمام سيف السنة عدة من كتب الحديث ، وكان ممن حضر السماع لصحيح مسلم عليه بمدينة الجند ، وحجّ مكة سنة ثمانين وخمسمائة ، فلما عاد إلى زبيد أخذ بها على الفقيه عباس بن محمد الآتي ذكره إن شاء اللّه . وكان فقيها محققا مدققا ذا صلاح مشهور وعلم مذكور ، قصده الطلبة من أنحاء اليمن رغبة في علمه وإنسانيته ، منهم ابنه يحيى وأخوه محمد وغيرهم من أهل قريته وقومه . ومن المشيرق أحمد بن محمد بن منصور الجنيد وعثمان بن يوسف بن أسعد الشعبي وغيره من أهل الجبال ، ومن تهامة إبراهيم بن علي بن عجيل وعلي بن قاسم الحكمي وعلي بن مسعود الكثيبي من المخلافة « 1 » وغيرهم ، وهو أكثر فقهاء الجبال المتأخرين أصحابا أخبرني الثقة أنه حج سنة ، ولم يستطع الزيارة إلى يثرب فبقي قلقا لذلك وقلق باطنه فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول له : يا أبا بكر لم تزرنا فزرناك ، فقال : يا رسول اللّه بكرمك فعلت ذلك ، فادع اللّه لي ، فدعا له وقال : ولإخوتي وأولادي وأولاد أولادي حتى عدد سبعة بطون ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يدعو لكل بطن عند ذكره لهم فهم يرون أن الخير والبركة الموجودين فيهم ببركة دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذا . وكان بعض أهل العلم والصلاح من أهل جبا يقول : رؤي الفقيه أبو بكر بن يحيى وهو يطوف بالكعبة راكبا على بغلة وحوله نحو ثلاثمائة فقيه يمشون بمشيته ويطوفون بطوافه ، وكانت وفاته بقريته سنة ثمان وعشرين وستمائة ، وهو آخر من ذكر ابن سمرة من أهل جبا .

--> ( 1 ) المخلافة ويقال لها المخلفة من بلد حجة انظر « قرة العيون » ج 2 ص 7 ، وما بعدها .