بهاء الدين الجندي اليمني

296

السلوك في طبقات العلماء والملوك

أربعين شرفا وأكثر وكان يطالع كل جزء منه من واحد وأربعين جزءا في اليوم والليلة أربع مرات ، كل فصل على حدة ، وكان إذا قرأ عليه المتفقه وهو يعلم فهمه بيّن له احترازات الأقيسة وفوائدها ووجوه أصولها ، ثم يبين له ما العلة في اختصاصها بالتأصيل إما بالنص من طريق الكتاب والسنة أو بتسليم المخالف حكم المسألة ، ومتى كان في عبارة الكتاب استغلاق أو قصر فهم القارئ عن ذكرها أبدلها بعبارة أخرى حتى يتصورها القارئ ويفحصها ، وينبّه في كل مسألة على خلاف مالك وأبي حنيفة خاصة ، وقد يذكر معهما غيرهما ، في بعض المسائل ، ومتى فرغ الطالب من قراءة الدرس أمره أن ينظر في الكتاب ويعيد عليه درسه غيبا ويقصد بذلك ترغيبه ، وكان يفعل ذلك مع من تحقق فهمه وقوة إشراكه المعاني ، وأما غيره فلا يزيده على الجواب عما سأل أو ردّ غلط وتصحيف ، ثم لما أكمل تصنيف ( البيان ) سأله تلميذه الفقيه الصالح محمد بن مفلح الحضرمي انتزاع مشكلات المهذب وحلها فعل ذلك بكتابه المشهور ( بمشكل المهذب ) وذلك آخر سنة سبع وأربعين وخمسمائة . وكان من سيرته أنه إذا مضى عليه وقت من غير ذكر اللّه تعالى أو مذاكرة العلم حولق « 1 » واستغفر وقال : ضيعنا الوقت ، وكان سهل الأخلاق ليّن الجانب عظيم الهيبة عند الناس ثم حدث على قومه بسير خوف عظيم وحروب من العرب حولهم فخرج الشيخ منها إلى ذي السفال فلبث بها مدة ثم انتقل إلى ذي أشرق فلبث بها سبع سنين وكسرا وفي الرابعة من السنين طلع فقهاء تهامة إليه هاربين من ابن المهدي فأنسوا به وأقاموا عنده أياما طويلة ميلا إلى الجنسية وكونه رأس الفقهاء بالإجماع من العيان والسماع فحصل بين فقهاء ذي أشرق وفقهاء تهامة منافرة سببها المذاكرة في المعتقد ومناظرة أدت إلى تكفير بعضهم لبعض والمنافرة بينهم ، وكان الشيخ رحمه اللّه لا يعجبه ذلك ولا يكاد يخوض بعلم الكلام ولا يرتضي لأصحابه من ذلك ، وظهر من ولده طاهر الميل والتظاهر بخلاف المعتقد الذي عليه والده وغالب فقهاء العصر من أهل الجند خاصة فشق ذلك على الشيخ وهجر ولده هجرا شاقا وكان ذلك سنة أربع وخمسين وخمسمائة ثم إن طاهرا لم يطق على هجر أبيه ولا هجر الفقهاء بذي أشرق وكان سبب ذلك ما تحققوه فيه ، وعلم أن لا زوال لذلك إلّا إظهار التوبة والتّبري عما كان أظهره فلم يزل يتلطف على والده بذلك بإرسال من يقبل الشيخ منه فقال للرسول : لا أقبل منه حتى يطلع المنبر بمحضر الفقهاء ويعرض عليهم عقيدته ويتبرأ

--> ( 1 ) حوقل أي قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه .