بهاء الدين الجندي اليمني

29

السلوك في طبقات العلماء والملوك

ذلك تراجم العلماء أو سير الملوك بدون أن يعقد لذلك أبوابا أو فصولا كما فعل أستاذه ابن سمرة في طبقاته والرازي في تاريخه . وقد قيل إن أبواب الكتاب وفصوله أشبه شيء بالمراحل ومحطات السفر فالمسافر عندما ينزل في مرحلة يتزود من الطعام ويشرب الماء ويرتاح من وعثاء السفر ومشقة الحط والترحال ويريح غيره من الماشية كالإبل والخيل والبغال والحمير ، والقارئ يتنسم بالقراءة أو المطالعة عند الفصل أو الباب ويعرف أنه قد انصرم من البحث الأول ودخل في موضوع آخر . ويكفينا شرفا الاقتداء بالقرآن الكريم حيث فصل مقاطيع السور وافتتاحيّاتها بالبسملة إيذانا بانتهاء السورة الأولى ودخوله في أخرى ، فهي أشبه بالأبواب والفصول . وعلى كل فالكمال للّه وحده . ومن دقة إدراكه أنه حكى لنا الحالة الاجتماعية عند القضاة والوزراء وصور لنا منها صورا ذات بال كما تعرض لبعض العادات الجارية في عصره بحيث يستغرب من مثله في ذلك العصر . وأما نقده اللاذع لمن انحرف عن جادة الصواب والسخرية المؤلمة ليكون عبرة للأجيال فإنها في محزها مما يدل أنه لا يرتضي ذلك السلوك الذي يزري بالعلماء في حين يشيد بالملتزمين للطريق السوي والسبيل المرضي . وهو لا يملك زمام حسن التصرف فيما ينقل عن كتب المؤرخين بل كيف ما اتفق ، لهذا تجد الخلل والنقص في ذلك التصرف . ومن دراستي للجندي استنتجت أن المؤلف الجندي بعد أن استقطب إلى كتابه ( السلوك ) كل المعلومات التي جاءت في تاريخ الرازي الذي انتهت حياته في أواسط القرن الخامس الهجري ما جاء في طبقات ابن سمرة الذي انتهت حياته في النصف الثاني من القرن السادس الهجري - وقف صامتا إزاء رجالات علماء وفقهاء اليمن الأعلى الذي هو من المنحدرات الشرقية من « سمارة » جنوبا حتى منتهى اليمن شمالا ، وطوى عن ذكرهم صفحا بينما خصّص قلمه في العصور التي بعد ذلك في رجالات علماء وفقهاء اليمن الأسفل الذي هو من قمة سماره شمالا حتى منتهى اليمن جنوبا بما في ذلك قطر تهامة ، وتطرق حديثه عن علماء وفقهاء مخلاف حضرموت . ولعل مرجع هذا الصمت إلى ما رسخ في أذهان عامة الفقهاء لذلك التاريخ