بهاء الدين الجندي اليمني

268

السلوك في طبقات العلماء والملوك

هذا الإمام إنما مات ودفن عن قريب وله إلى وقت وضعي لهذا الكتاب آخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة مائتا سنة وسبع سنين فلا يكاد أحد يأتي تربته تخلو عن الزائر وقلّ ما قصدها ذو حاجة إلّا قضى اللّه حاجته ، ولقد أخبرني جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأخبار يطول شرحها في ذلك . وقد عرض لي مع ذكر هذا الرجل نبذة من ذكر شيخه الطبري والبندنيجي فأمّا البندنيجي فإنه لما قدم « 1 » بمصنفات الشيخ أبي إسحاق ( صورة ومعنى ) « 2 » عكف الناس عليه وأخذوها عنه ومدّ ذلك إلى عصرنا لم يكد أحد يتفقّه من غيرها إلا بعد التفقّه منها . ويروي فقهاء اليمن لها فضائل يطول تعدادها ، منها ما أخبرنيه الفقيه أبو بكر بن الفقيه أحمد بن الرسول الأبيني الآتي ذكره أخبرنا الفقيه أحمد بن عمران أنه كان لا يرى المهذّب طائلا ويقول : فقهه ظاهر ، فلما كان ذات ليلة رأى في المنام رجلا فاتحا كتابا وهو يشير إليه أن ينظر في الكتاب قال : فنظرت فإذا فيه : روى الخليل بن أحمد « 3 » عن عبد الأعلى بسنده عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : من صلّى عليّ سبعين مرة وسأل اللّه بالمهذّب ومؤلفه قضى اللّه له اثنتين وسبعين حاجة أدناها المغفرة « 4 » ومن أمثال هذه الرواية كثير . ولقد دخل اليمن عدة مصنفات موجزة ومبسوطة لم يكد يحصل لها من القبول طائل ولا انتفع بها الناس كما انتفعوا بمصنفات الإمام أبي إسحاق حتى قال لي بعض الفقهاء المحققين من فقهاء العجم وقد أقام في اليمن مدة ووجد نقل أهله وفتواهم ومناظراتهم إنما هو عن كتب الشيخ أبي إسحاق ومتى نقل ناقل عن غيرها قل أن يستجاد نقله أو يستكمل عقله ، ثم شاركها في ذلك كتب الغزالي « 5 » مع تخصيص ثم ولي كتب الشيخ أبي إسحاق في العموم والتحقيق الكتاب المبارك المسمى بالبيان

--> ( 1 ) هنا في الأصلين شيء من الخبط . ( 2 ) ما بين القوسين من « ب » أما « د » فمضروب عليه بخط . ( 3 ) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي إمام النحو واللغة ومخترع علم العروض والقوافي ومن قيل فيه إن دولة الإسلام لم تخرج للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول - من الخليل وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا عن مثال تقدّمه احتذاه وكانت وفاته بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائة وقيل غير ذلك . ( 4 ) هذه أسطورة من أحاديث خرافة لا يقبلها السذّج البله فضلا عن من له عقل وهو سليم وبطلانها أوضح من الشمس في رابعة النهار ، فالخليل بن أحمد ليس من المحدثين وعصره سابق متقدم على عصر أبي إسحاق الشيرازي ولا مؤلفه ( المهذب ) وأين يقع هذا المؤلف من كتاب اللّه الكريم ومصنفات سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كالبخاري ومصنف عبد الرزاق الصنعاني وغيرهما من السنن ، وهذا كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستحق ناقله العتاب عليه واللوم ، ولا ندري من هو عبد الأعلى . ( 5 ) الغزالي تأتي ترجمته للمؤلف .