بهاء الدين الجندي اليمني
214
السلوك في طبقات العلماء والملوك
السنّة وترك مذهب أبيه ، فأعجب الناس ذلك وأحبّوا ودانوا له فدخل عليه أخ له اسمه جعفر « 1 » فنهاه عما فعل وقبحه عليه فلم يلتفت إليه وخرج عنه مغضبا وقصد المهدي إلى القيروان « 2 » فوجده قد توفي وقام بعده ابنه القائم « 3 » وذلك سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أعني موت المهدي وقيام القائم فلبث ابن منصور عنده ثم إن أخاه قتل أهل مذهب أبيه وشردهم حتى لم يبق حوله إلا من لا يعرف ، وبقي في البلد جماعة قليلون يكاتبون بني عبيد بن ميمون إلى القيروان ، ثم إن ابن منصور خرج من مسور إلى عين محرم ، المذكورة أولا ، وكاتبه « 4 » رجل من بني العرجى سلاطين تلك الناحية واستخلف على مسور رجلا يقال له : إبراهيم بن عبد الحميد السباعي « 5 » وهو جد بني المنتاب الذي ينسب مسور إليه فيقال : مسور المنتاب ، فلما صار بعين محرم وثب عليه ابن العرجي فقتله وحين سمع ابن عبد الحميد ذلك أخرج من بقي معه بمسور من أهل منصور وحرمه إلى جبل أعشب « 6 » فوثب الناس عليهم ينهبون ويسلبون ويقتلون ثم حصل بين ابن العرجى وابن عبد الحميد اتفاق واقتسما البلاد ، ورجع ابن عبد الحميد عن مذهب منصور وابتنى جامعا وعمل منبرا وتابع الخطبة لبني العباس وجعل يتتبع القرامطة حيث سمع بهم حتى أفناهم ولم يبق منهم غير شريذمة قليلة بناحية مسور كاتمين أمرهم مقيمين ناموسهم برجل يقال له ابن رحيم ومات ابن عبد الحميد وقام بعده ابنه المنتاب ، وكان ابن رحيم حازما لا يكاد يعرف أين قراره خوفا أن يغتاله المنتاب أو غيره من أهل السنّة وهو مع ذلك يكاتب أولاد المهدي إلى القيروان ، وإلى مصر .
--> ( 1 ) جعفر المذكور حظي عند القائم العبيدي وصار صدرا من الصدور ، وكان له شأن عظيم . ( 2 ) القيروان : بفتح أوله وسكون ثانيه ، وآخره ألف ونون : مدينة بإفريقية أول من اختطّها المجاهد الكبير عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري المشهور سنة خمسين من الهجرة ولا تزال قائمة . ( 3 ) كنيته القائم أبو القاسم واسمه محمد بن المهدي عبد اللّه بن ميمون ولقبه القائم تولّى بعد أبيه في التاريخ المذكور ، وتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة الوفيات ج 4 ص 111 . ( 4 ) كذا في « د » وكاتبه وكان الأحسن حذفها وفي « ب » وكان به وفي الكشف وفيه يومئذ رجل من بني العرجي ، وفي « قرة العيون » ج 1 ص 215 وفيه نائب له يقال له ابن العرجي . ( 5 ) كان في الأصل السعي بمهملات والتصحيح من الكشف ص 218 انظر « الإكليل » ج 2 ص 77 ، ونسبة مسور المنتاب إلى المنتاب الأكبر وهو منتاب بن غالب ، لا إلى هذا ، انظر « الإكليل » ج 2 ص 76 . ( 6 ) جبل أعشب هو ما يسمى جبل بني عشب ، وهو شرق شمال مسور ، نسب إلى أعشب بن قدم بن قادم بن زيد بن عريب بن جشم بن حاشد .