بهاء الدين الجندي اليمني
211
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وفي أثناء نيابة أسعد قدم غريب يزعم أنه شريف بغدادي فصحب أسعد وأنس به وقيل أن قدومه كان بإرسال من صاحب بغداد « 1 » لما بلغه ( من قوم ) « 2 » ابن فضل ليعمل الحيلة في قتله فلبث عند أسعد مدة وكان جراحيا ماهرا بصناعة الأدوية بصيرا بفتح العروق ومداواة الأجرحة وسقي الأشربة النافعة ، ولما رأى شدة خوف أسعد لابن فضل قال : إني عزمت على أن أهب بنفسي للّه تصدّقا على المسلمين ، لأريحهم من هذا الطاغية فعاهدني إن أنا عدت إليك على أن تقاسمني ما يصير إليك من الملك فأجابه أسعد إلى ما سأل فتجهز الغريب وخرج من عند أسعد وهو إذ ذاك مقيم بالجوف ببلد همدان « 3 » على تخوف من ابن فضل فسار الغريب حتى قدم المذيخرة فخالط وجوه الدولة وكبراءها وفتح لهم العروق وسقاهم الأدوية النافعة وأعطاهم المعجونات فرفعوا ذكره إلى ابن فضل وأثنوا عليه عنده ووصفوه بما فيه من الصنعة وقيل له : إنه لا يصلح إلا لمثلك فلما كان ذات يوم أحب الافتصاد فبحث عنه وطلبه فجيء له به فحين وصله الطالب عمد إلى سمّ فعمله بشعره في مقدم رأسه وكان ذا شعر كثير ، ثم لما دخل عليه أمره أن يتجرد من ثيابه ويلبس غيرها من ثياب كانت عند ابن فضل ثم أمره ) « 4 » بالدنو منه ليفصده ففعل وقعد بين يديه ثم أخرج المفصد « 5 » وأمتصّه تنزيها له من السم ثم مسحه برأسه في موضع السم فعلق به بعض السم ثم فصده بالأكحل وربطه وخرج من فوره وحمل هداده « 6 » على حمار له وخرج من المذيخرة مبادرا إلى أسعد بن ( أبي ) « 7 » يعفر ، ولما قعد ابن فضل ساعة أحس بالسم وعلم أنه قد أكيد على يد الفاصد ، فأمر بطلبه فلم يوجد فازداد تيقّنا وأمر أن يلحق حيث كان ويؤتى به فخرج العساكر في طلبه بنواح شتى « 8 » حتى أدركه بعضهم بوادي
--> ( 1 ) صاحب بغداد هو الخليفة المقتدر باللّه المقتول سنة عشرين وثلاثمائة وتأمل كتاب الصليحيون فقد نسب قتل ابن فضل إلى شريف من أهل مذهبهم ، وانظر « قرة العيون » ج 1 ص 206 . ( 2 ) ما بين القوسين في الأصلين ولا معنى لها وأيضا مهملة الحروف ، وليست في الكشف ، وعبارة النسخة المنقطعة أرسله صاحب بغداد ليحتال في قتله ولعل تلك اللفظة « تقوى » . ( 3 ) الجوف جوف مراد ثم جوف همدان ، انظر الكلام عليه في « الإكليل » ج 1 ص 90 و « صفة جزيرة العرب » ص 314 والمراد بهمدان في كتب المؤرخين القدامى حي حاشد وبكيل . ( 4 ) ما بين القوسين ساقط من « د » . ( 5 ) المفصد بكسر الميم وسكون الفاء آلة الفصاد كالمشرط . ( 6 ) هداده بكسر الهاء آخرها هاء : ثيابه ومتاعه وهي لغة بعض أعراب اليمن وفي النسخة المنقطعة متاعة . ( 7 ) الزيادة منا كما سبق . ( 8 ) لفظ شتى ساقط من « د » .