بهاء الدين الجندي اليمني

210

السلوك في طبقات العلماء والملوك

غالب أهل مذهبه نساء ورجالا متّزينين متطيّبين ، ويوقد بينهم الشمع ساعة ويتحادثون فيها بأطيب الحديث وأطربه ، ثم يطفأ الشمع ويضع كل منهم يده على امرأة فلا يترك الوقوع عليها وإن كانت من ذوات محارمه ، وقد تقع مع أحدهم ما لا تعجبه إمّا بعجوز أو غيرها فيريد التفلّت منها فلا تكاد تعذره . فقد حكى ابن مالك أن رجلا من القوم وقعت يده على عجوز كبيرة محدودبة فحين تحقق حالها أراد التفلّت منها فقالت له : دوبدّ من ذي حكم الأمير ، ودو بالدال المهملة في لغة بعض اليمنيين بمعنى ( لا ) « 1 » فكأنها قالت : لا بد من ذي حكم الأمير وذو : بالذال المعجمة بمعنى الذي « 2 » كأنها قالت لا بد من الذي حكم به الأمير ، يعني ابن فضل ، وهذه مخزية عظيمة شاعت عنه وحتى عمّت جميع من انتسب إلى السمعلة « 3 » وهو شيء لم يتحقق عن أحد غيره ، ولقد سألت جمعا من الذين يتحقق منهم المذهب فأنكروا ذلك « 4 » ورأيتهم مجمعين على أن ابن فضل زنديق وأن منصور من أعيان مذهبهم وأخيارهم وذلك هو الذي تقرّر في ذهني . وكان ابن فضل لما طابت له المذيخرة وجعلها دار إقامة استناب على صنعاء أسعد بن ( أبي ) يعفر « 5 » المقدم ذكره استنابه مكانه ، إلّا أنه لم يثبت أن أسعد اجتمع به بل كان حذرا من غدره فأقام أسعد بصنعاء نائبا له وهو يود أن يأخذ بثأر المسلمين منه وهو أيضا حذر متيقظ ، وكان لا يكاد يستقر بصنعاء خشية غازية من ابن فضل أو هجمة . قال ابن جرير « 6 » وكان عنوان كتب ابن فضل إلى أسعد : من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده أسعد بن ( أبي ) يعفر ، وكفى بهذا الكلام دليلا على كفره فنسأل اللّه العصمة .

--> ( 1 ) لا تزال دو بمعنى ( لا ) مستعملة إلى يوم الناس هذا ، خصوصا في بلد الكلاع وغيرها وفي تهامة . ( 2 ) وذو بمعنى الذي لغة فصيحة نص عليها النّحويّون وقالوا إنها لغة طي ، وطي من اليمن واستشهدوا لذلك بأشعار ، انظر « قطر الندى » ، ولا زال اليمنيون يحتفظون بهذه اللغة . ( 3 ) قد تكلمنا على السمعلة في صدر المقدمة . ( 4 ) وأنا أيضا سمعت الكثير من أهل هذه النحلة ينفون ذلك ، انظر الكشف . ( 5 ) زيادة ما بين القوسين منا لأن أسعد هو ابن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر لا ابن ليعفر واستنابه الثانية تكرار . ( 6 ) ابن جرير هو الصنعاني وهذا الكلام مفقود من الكراريس التي معنا ، وأنا أستبعد هذه الرسالة فلم يذكرها صاحب سيرة الهادي المعاصر الذي هو شديد الحملات على ابن فضل ولا صاحب الكشف ، وتفرّد ابن جرير بهذه الرواية يحتاج إلى تمحيص وتحقيق .