بهاء الدين الجندي اليمني
209
السلوك في طبقات العلماء والملوك
[ ابن فضل يخلع طاعة عبيد بن ميمون القداح ] ولما علم ابن فضل أنه قد استحكم له أمر اليمن خلع طاعة عبيد بن ميمون الذي كان يظهر أنه داع إليه ثم كاتب صاحبه منصورا بذلك ، فعاد جوابه إليه يعاتبه ويقول له : « كيف تخلع من لم تنل خيرا إلّا به وببركة الدعاء إليه فما تذكر ما بينك وبينه من عهود وما أخذ علينا جميعا من الوصية على الاتفاق وعدم الافتراق ؟ » فلم يلتفت إليه بل كتب إليه ثانيا يخبره ويقول له : « إن لي بأبي سعيد الجنابي « 1 » أسوة إذ قد دعا إلى نفسه وأنت إذا لم تنزل إلى طاعتي وتدخل بإجابتي نابذتك الحرب ، فلما ورد كتابه إلى منصور بذلك غلب على ظنه صحته وطلع جبل مسور وأخذ بتحصينه وقال إنما حصنت هذا الجبل من هذا الطاغية وأمثاله . ولقد عرفت الشر بوجهه حين اجتمعنا بصنعاء ، ثم إن ابن فضل بعد مديدة من تصديره الكتاب تجهّز إلى غزو منصور وانتدب لذلك عشرة آلاف رجل من المعدودين في عسكره وسار من المذيخرة حتى دخل شبام « 2 » فحصل بينه وبين عسكر منصور حرب وتكرر ذلك ودخل ابن فضل بلد لاعة وصعد جبل الجميمة بالجيم المفتوحة ، وهو جبل فائش على القرب من مسور وهو لقوم يقال لهم بنو المنتاب « 3 » فأقام به ثمانية أشهر يحاصر منصورا فلم يدرك منه طائلا ، وشقّ به الوقوف وعلم منصور بذلك فراسله بالصلح فقال ابن فضل : لا أفعل إلا أن ترسل إليّ ولدك يقف معي على الطاعة وإلا فلا يسمع بأني رحت بغير قضاء حاجة ويشيع عند العالم أني تركته تفضلا لا عجزا ، ففعل منصور ذلك وتقدّم معه بعض أولاد منصور ، ثم إن ابن فضل طوّقه بطوق من ذهب وانهمك بالمذيخرة على تحليل محرّمات الشريعة وإباحة محظوراتها وعمل بها دارا واسعة يجمع فيها
--> - المعروف المشهور والمذكور في كتب اللّغة ، وهذه المواضيع ليس فيها ما يغري الإنسان وإلا ما يتفكر فيها ، فهي أيضا ضيقة لا تسع أن تكون مقرا للملوك . وفي الكشف « وأمر بقطع الحج » وهذه العبارة معقولة وإن لم تكن صحيحة . ( 1 ) اسمه الحسن بن بهرام الجنابي كبير القرامطة وأحد من أفسد في الأرض ، والجنابي نسبة إلى جنابة بفتح الجيم وتشديد النون وألف وباء موحدة وهاء : بلدة على ساحل فارس وقتل أبو سعيد المذكور سنة واحد وثلاثمائة ، انظر « قرة العيون » ج 1 ص 203 . ( 2 ) شبام بكسر الشين المهملة وفتح الباء الموحدة آخره ميم ، هو ما يسمى شبام كوكبان شمال غرب صنعاء بنحو ساعة ونصف بالسيارة بل أقل من ذلك ، انظر « قرة العيون » ج 1 ص 86 و « صفة جزيرة العرب » ص 231 وعمارة اليمني ص 63 . ( 3 ) الجميمة : بالجيم ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ثم ميم وهاء ، وهي أيضا هضبة غرب مسور من بلد لاعة ، والجميمة أيضا من كحلان عفار شرقي حجة والجميمة أيضا من نيسة شمال حجة ، وقوله فائش أي لا عمارة فيها ، وبنو المنتاب من حمير ، انظر « الإكليل » ج 2 ص 80 وهم ملوك مسور وغيره ولهم بقية إلى يوم الناس هذا .