بهاء الدين الجندي اليمني
203
السلوك في طبقات العلماء والملوك
مكة فحججنا ثم سرنا مع حاج اليمن حتى جئنا إلى غلافقة « 1 » ثم تواصينا بأن لا ينسى أحد منّا صاحبه ولا ينقطع خبره عنه ثم سرت حتى قدمت الجند وهي إذ ذاك بيد الجعفري « 2 » قد تغلب عليها وانتزعها من ابن يعفر « 3 » وكان الشيخ قد قال لي : إياك أن تبتدئ بشيء من أمرك إلّا في بلد يقال لها : عدن لاعة « 4 » فإنها البلد الذي يتم به ناموسك وتنال غرضك فيها فلم أعرفها ، فقصدت عدن أبين « 5 » وسألت عن عدن لاعة فقيل : إنها بجهة حجّة فسألت عن من يقدم من أهلها فأرشدت إلى جماعة قدموا لغرض التجارة واجتمعت بهم وصحبتهم وتطلعت عليهم حتى أحبوني وقلت : أنا رجل من أهل العلم بلغني أن لكم بلدا جبلا وأريد صحبتكم إليه فرحبوا وأهّلوا « 6 » ثم لما أرادوا السفر خرجت من جملتهم وكنت في أثناء الطريق أتحفهم بالأخبار وأحثهم على الصلاة وكانوا يأتمون بي ، فحين دخلت لاعة سئلت عن المدينة فيها فأرشدت إليها فأتيتها ولزمت بعض مساجدها وأقبلت على العبادة حتى مال إليّ جمع من الناس فلما علمت أن قد استحكمت محبتي في قلوبهم أخبرتهم أني قدمت عليهم داعيا للمهدي الذي بشر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 7 » فحالفت جمعا منهم على القيام وصار يؤتى لي بالزكاة فلما اجتمع عندي منها شيء كثير قلت إنه ينبغي أن يكون لي معقل تحفظ به هذه الزكاة ويكون بيت مال المسلمين فبنيت عين محرم ، وهو حصن كان لقوم يعرفون ببني العرجاء « 8 » ونقلت إليه ما كان تحصّل عندي من طعام ودراهم فحين صرت إليه بما معي وقد عاهدني خمسمائة رجل على النصرة صعدوا معي الحصن بما معهم من مال وأولاد فأظهرت حينئذ الدعوة إلى عبيد اللّه المهدي بن الشيخ ميمون ،
--> ( 1 ) غلافقة : بضم الغين المعجمة آخره هاء وتسمى اليوم غليفقة ، وكانت ميناء مشهورة مذكورة في التواريخ وتقع بين الحديدة وزبيد ، وهي إلى الحديدة أقرب ، انظر « صفة جزيرة العرب » ص 68 . ( 2 ) الجعفري هو جعفر بن إبراهيم المناخي الحميري . ( 3 ) ابن يعفر هو أبو يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي ، وهذا يظهر أن منصور وابن فضل قدما بعد قتل محمد بن يعفر سنة ( 270 ) والمشهور أن قدومهما ثمان وستون ومائتان ولم يظهر أمرهما إلا بعد ذلك . ( 4 ) عدن لاعة هي اليوم خراب ، ولاعة مقاطعة من أعمال حجة في جنوبها ، انظر « قرة العيون » ج 1 ص 183 و « صفة جزيرة العرب » ص 111 . ( 5 ) عدن أبين : هو الثغر المشهور ، وأبين : مخلاف شرق عدن انظر « الإكليل » ج 2 ص 47 ، « وقرة العيون » ج 1 ص 37 . ( 6 ) أي قالوا مرحبا وأهلا وسهلا . ( 7 ) انظر « قرة العيون » ج 1 ص 184 على كلمة المهدي . ( 8 ) عين محرم : جبل تحت مسور من الغرب وقوله ببني العرجاء وكان في الأصلين بني الفدعاء والتصحيح من كشف أسرار الباطنية ص 205 « وقرة العيون » ج 1 .