بهاء الدين الجندي اليمني

170

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الدنيا إمّا بحق لا يتوجه أو بباطل لا يناله ولولا أن أسأل عنكم لهربت منكم وأصبحت الأرض مني بلاقع ومضيت لشأني . ولما جرحه العلج « 1 » وأدخل إلى منزله اجتمع الناس عنده ، وجعلوا يثنون عليه بالخير فقال : هؤلاء بين راغب وراهب ولما قيل له استخلف قال : لا أتحمل أمركم حيّا وميتا وددت الكفاف لا عليّ ولا لي ، ولما قال له الطبيب أوص ، أمر ابنته حفصة إلى عائشة تسألها الإذن « 2 » في دفنه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصاحبه فأذنت ، ثم لما أيقن بالموت أمر ابنه عبد اللّه أيضا إلى عائشة يستوثق منها بالإذن فأذنت ثم جعل أمر المسلمين شورى في ستة نفر من العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالجنة ، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ، وأخرج ابن عمه سعيدا « 3 » رضي اللّه عنهم ، ولم يكن بقي من العشرة غيرهم وأمر صهيبا الرومي « 4 » أن يصلي بالناس إلى أن يتفقوا على إمام لهم ثم توفي سلخ الحجة سنة ثلاث وعشرين ، وعمره خمس وخمسون سنة ، وقيل ثلاث وستون سنة ، ومدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة أيام ثم دفن مع صاحبيه ، وجعل رأسه بإزاء كتف أبي بكر ، وكان هو القمر الثالث في رؤيا عائشة رضي اللّه عنها . وفي اجتماعهم قال حسان بن ثابت « 5 » : ثلاثة برزوا لسبقهم * في نصرهم لربّهم إذا بروا عاشوا بلا فرقة حياتهم * ثم التقوا في الممات إذ قبروا فليس من مسلم له بصر * ينكر فضلا لهم إذا ذكروا [ خلافة عثمان بن عفان ] ثم اتفقت كلمة أهل الشورى على استخلاف عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأبقى العمال على حالهم ولم يزل عمال اليمن خصوصا يعلى وابن أبي ربيعة بمخلافي الجند وصنعاء .

--> ( 1 ) العلج بكسر العين المهملة آخره جيم : الرجل من كفار العجم . ( 2 ) حفصة أحد أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمهات المؤمنين ، كانت وفاتها في سنة خمس وأربعين من الهجرة ووفاة عائشة سنة ثلاث وخمسين . ( 3 ) سعيد هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل ، وكانت وفاته سنة خمسين أو إحدى وخمسين من الهجرة وفي « د » رضي اللّه عنهم . ( 4 ) صهيب هو ابن سنان بن النمر بن ثولب سبي صغيرا فنشأ بالروم فابتاعته قبيلة كلب وأسلم قديما وعذب في ذات اللّه وتوفي سنة ثمان وثلاثين من الهجرة . ( 5 ) حسان بن ثابت هو الأنصاري شاعر الإسلام ولسانه ترجمنا له في « الإكليل » ج 1 ص 170 وفي الثاني وفاته سنة اثنتين وخمسين .