بهاء الدين الجندي اليمني
131
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وممن أخذ عنه « 1 » وقصده إلى صنعاء جماعة ، منهم أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللّه بن حيان - بفتح الحاء المهملة والياء المثناة من تحت مشدودة ثم ألف ثم نون - بن عبد اللّه بن سنان الشيباني نسبة إلى جده هذا المروي الأصل ، خرجت به أمه حاملا به من مرو فولدته ببغداد في أحد الربيعين من سنة أربع وستين ومائة ، وبلغه عن إبراهيم بن أبان الآتي ذكره في عدن - فضل « 2 » فقصده فلم يجده كما قيل ، فقال : في سبيل اللّه الدريهمات التي أنفقناها في السفر إلى إبراهيم ، ثم قدم إلى عبد الرزاق في صنعاء فأخذ عنه وأقام عنده مدة ، وسئل عنه عبد الرزاق فقال ما رأيت أفقه منه ولا أورع منه ، بلغني أن نفقته نفدت وأنه أكرى نفسه من الحمّالين حتى قدم صنعاء فأخذت عشرة دنانير ، وخلوت به وقلت له إنه لا يجتمع عندنا الدنانير وقد وجدت مع النساء عشرة دنانير فخذها أنفقها فإني أرجو أن لا تنفد حتى قد تهيأ غيرها ، فتبسّم وقال : يا أبا بكر لو قبلت شيئا من الناس قبلت منك . وأخذ عن عبد الملك الذماري وقال : سألته أين بلد طاوس ، فقال هو من ( أهل ) « 3 » الجند ، وكان ذا علم شهير وفقه كثير ، أحد أعيان الإسلام ، وفضلاء الأنام ، وكتابه « المسند » وما جمع فيه من الأحاديث التي لم تتفق لغيره يدلّان « 4 » على تميزه على سائر الفقهاء والمحدثين ، وذكروا أنه يحفظ ألف ألف حديث . ولما قدم الشافعي بغداد صحبه واختص به ، ولما خرج من بغداد سئل عن من خلفه فيها فقال ما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل . ودعي إلى القول بخلق القرآن فامتنع وحبس وضرب لا يزيده ذلك إلا ثبوتا على نفي الخلق عنه ، وكان حسن الوجه ، ربعة يختضب بالحنّاء خضابا ليس بالقاني ، في لحيته شعرات سود . أخذ عنه جماعة من أمثال محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم ، ولم يكن له في آخر عمره نظير في سعة العلم ودقة العمل ، إلى أن توفي نهار الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين .
--> ( 1 ) قوله وممن أخذ عنه أي عبد الرزاق . ( 2 ) فضل : فاعل لبلغه ، أي معرفة . ( 3 ) ما بين القوسين من « ب » . ( 4 ) يدلّان بلفظ التثنية ، كذا في الأصلين ، ولعله يريد بذلك كتابه المسند وفقهه وما جمع فيه من علمه ، وإن أراد المسند فكان من حقه الإفراد .