بهاء الدين الجندي اليمني
132
السلوك في طبقات العلماء والملوك
ولما قبض صاح الناس وعلت أصواتهم بالبكاء حتى كأن الدنيا ارتجّت ، ولم يبق أحد في جانبي بغداد إلّا حضر قبرانه غير أهل مسجد الحارث بن أسد المحاسبي « 1 » فهجروه على ذلك دهرا وحزر من حضر جنازته للصلاة من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف ومن النساء ستين ألفا وأسلم إذ ذاك عشرون ألفا من يهوديّ ونصراني ومجوسي ، ورآه بعد ذلك من كان يصحبه وعليه حلّتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور وهو يتبختر في مشيته فقال : يا سيدي ما هذه المشية التي لم أكن أعرفها فيك فقال الإمام : مشية الخدام في دار السلام ، إن ربي حاسبني يسيرا ، وحباني وقرّبني وأبلغني النظر وتوّجني بهذا التاج وقال : يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به لقولك بالقرآن كلامي غير مخلوق . ومنهم ابن راهويه أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي المروزي ، مولده أحد شهور سنة إحدى وستين ، وقيل سنة ست وستين ومائة . وراهويه لقب لأبيه ، إذ ولد بطريق مكة والطريق بالفارسية « راهوويه » بمعنى وجد بالطريق ، وضبطه : بفتح الراء ثم ألف ثم هاء ساكنة وواو مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ثم هاء ساكنة ، وقيل : غيره ، وهذا أشهر ، ومخلد بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ، وبعدها دال مهملة ، والحنظلي نسبة إلى حنظلة بن مالك إلى فخذ من تميم ، والمروزي نسبة إلى مدينة عظيمة بخراسان تعرف بمرو الشاهجان ، إذ هناك مدينة أخرى تسمى مروروذ ، إذ بنيت على نهر ، فإن النهر بلغة الفرس الروذ ، والشاهجان زوج الملك لأن الملك الذي بناها كان مغرما بها فسميت به ، خرج من هاتين المدينتين جماعة من أعيان العلماء فلذلك أحببت « 2 » بيانهما ، وقدر
--> ( 1 ) الحارث بن أسد المحاسبي ، كذا في ابن خلكان ج 1 - 248 ، وفي « ب » الحارث بن راشد ، وفي « د » الحارث المحاسبي ، والتصحيح من ابن خلكان ويقال له البصري ولقب بالمحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه وكان قد استخفى من العامة فلما مات لم يصلّ عليه إلا أربعة أنفار ، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين ومائتين . ولعل المؤلف ترجم له فيما يأتي . ( 2 ) وأنا أتحف القراء بما قاله ياقوت الحموي في « معجم البلدان » عن مرو بإيجاز : لقد تكلم عن مرو الروذ ومرو الشاهجان وأوسع الكلام فيهما ، إلى أن قال : وأقمت بها ثلاثة أعوام فلم أجد بها عيبا إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم منه في شدة ، ولولا ما عرا من وروده التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات ، لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها ، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة ، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني ، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها ، والأخرى يقال لها الكمالية ، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن