بهاء الدين الجندي اليمني

116

السلوك في طبقات العلماء والملوك

زنى « 1 » فلذلك عدموا ما يتمّمونها به ، ولولا خشية الإطالة لذكرت من ذلك الحقيقة وأصله « 2 » وليس هو أيضا من ملازم الكتاب فنورده ، ولكن الحديث شجون . ثم أخذ ابن الزبير في إخرابها « 3 » والكشف عن أساسها حتى وقع على قواعد إبراهيم وأظهرها للناس فكانت عجبا من العجب مشتبكة بعضها في بعض ، وتركها ابن الزبير أياما مكشوفة ليشهدها الناس ويتعجبوا منها ، وكان الرجل إذا حرك من ناحية ركنا اهتزت ناحية الركن الآخر ، ثم قال : اطلبوا من العرب من يبنيه فلم يوجد ثم قال : استعينوا بأهل فارس ، فإنهم ولد إبراهيم ولن يرفعه إلا ولده ، ثم بنى الكعبة على القواعد وجعل لها بابين لاصقين بالأرض شرقيا وغربيا فكانت كذلك حتى غزاها الحجاج وأخربها ، وقتل ابن الزبير ثم أعادها على ما كانت قريش بنتها أولا . ومنهم كثير بن أبي الزفاف « 4 » أدرك ابن عمر ، كان عبد الرزاق الفقيه الآتي ذكره يقول : سمعت حماد بن سعيد يحدث عن كثير أنه قال : كنت وصاحبا لي بمنى يوم النفر فجاءنا رجل وقال رأيت الآن ابن عمر يرمي الجمرة فقلت لصاحبي اذهب بنا إليه نسأله فانطلقنا فوجدناه قد فرغ من رمي الجمرة وأنيخت له راحلته وقد وضع رجله بالغرز « 5 » وأخذ بوسط الرّحل ليركب فقال له صاحبي ، واسمه قيس : إنا أخبرنا عنك فجئنا لننظر إليك ونسألك فإنك قد رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورجونا بركتك ولو كنت على غير هذا الحال لسألناك فنزع رجله من الغرز ويده من الرحل ، وقال سل عما شئت قال : ما تقول في رجل اختلف إلى هذا البيت نحوا من أربعين سنة وإذا قدم على أهله وجدهم قد صنعوا له من هذا النبيذ شيئا فإن شرب منه سكر وإن مزجه بالماء لم يضره ، فقال له ابن عمر أدن مني فلما دنا منه دفع في صدره حتى وقع في الأرض وقال : أنت « 6 » ممن لا حجّ لك ولا كرامة فقال : ما سألتك إلا عن نفسي ، واللّه لا أذوق منه قطرة أبدا . ( واعلم أن من ذكر حجر المدري إلى هذا أخذته من كتاب الرازي خاصة ، ومن هنا إلى آخر الكتاب من المائة الخامسة إنما أخذته عن الجميع أهل الكتب المذكورين أولا ) .

--> ( 1 ) البغي معروف وهي التي جعلت نفسها للفساد والزنى معروف . ( 2 ) انظر تواريخ مكة للأزرقي والفاكهي والمفضل الشعبي والفاسي وغيرها . ( 3 ) في « ب » بإخرابها . ( 4 ) في الرازي ص 434 ، وهو بالزاي وفاءين ، راجع تاريخ البخاري وغيره . ( 5 ) يوم النفر يوم تفرّق الحجاج من منى ، والغرز ركاب من جلد أو حديد يدخل فيها الراكب رجليه ويقال له عند العامة الركب بضمتين ، والرحل : كالسرج والوطاف ونحوه وفي « ب » فانطلقنا مسرعين . ( 6 ) عبارة الرازي ( أنت هو ) .