بهاء الدين الجندي اليمني
104
السلوك في طبقات العلماء والملوك
همام كنيته أبو قدامة وكان يقال : إنه أكبر من وهب ، صحب الزهري وله عنه روايات جمة ، منها قال : سمعت أبا هريرة « 1 » يقول ليس أحد أكثر حديثا مني عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم غير ابن عمر لأنه كان يكتب وأنا لا أكتب ، وذكر عنه القاضي هشام بن يوسف الآتي ذكره قال : حدثنا معقل بن همام بن منبه قال : كانت حجرات النبي صلّى اللّه عليه وسلم مطلات ( على مسجده ) « 2 » فبينا عمر أيام خلافته في المسجد إذ دخل أعرابي ، والناس حول عمر وحفصة أم المؤمنين تنظر من حجرتها من وراء ستر ، فرأت الأعرابي قد عمد إلى الحلقة وسلم على عبد الرحمن بن عوف بإمرة المؤمنين ، وذلك لما رأى من تميّزه بالبزّة على سائر من حضر ، فقال له ابن عوف : هذا أمير المؤمنين ، وأشار إلى عمر ، ثم كان من العادة أن عمر إذا صلّى العشاء وأراد الانصراف إلى بيته يمرّ بأبواب أمهات المؤمنين ويسلّم عليهن ، فلما مر تلك الليلة بباب حفصة ابنته وسلم قالت يا أبت رأيت أن أذكر لك شيئا فلا تضعه إلا على النصح قال : وما ذاك يا بنية ؟ قالت : رأيت أعرابيا دخل المسجد وشهر ابن عوف بالسلام ، وإني رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يلبس أحسن ما يقدر عليه ، وإن اللّه قد فتح عليك فإن رأيت أن تلبس لباسا حسنا فإنه أبهى لك فقال : يا بنية ما في قولك بأس ولكن كنت أنا وصاحباي على طريق ووعدتهما المنزل وأخشى إن سلكت غير طريقهما أن لا أوافي منزلهما . وكان قوم من أهل صنعاء لهم أرض في البادية يزدرعونها ثم إنهم انتقلوا عن صنعاء ميلا إلى خفة المؤونة في البادية فبلغ معقلا ذلك فكرهه ، ثم إنهم مرّوا به يوما وهو على باب داره قاعدا فناداهم فأتوه فقال : سكنتم البادية فقالوا : نعم يا أبا قدامة ، قال قلتم لبيتنا وماشيتنا وحطبنا وما نحتاج عليه سهلا قالوا : نعم ، قال لا تفعلوا ، لا تدعوا القرار ، فإني سمعت أبا هريرة يخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من سكن القرار ساق اللّه إليه رزق القرار ، ومن سكن البادية ساق اللّه إليه رزق البادية » . وقال : لقيت ابن عمر فسألته عن النبيذ قلت يا أبا عبد الرحمن هذا الشراب ما تقول فيه ؟ قال : كل مسكر حرام ، قلت فإن شربت « 3 » الخمر فلم أسكر قال أف أف ما بال الخمر ؟ وغضب فتركته حتى انبسط ، وأسفر وجهه وحدّث من كان حوله ثم قلت له يا أبا عبد الرحمن إنك بقية من قد عرفت ، وقد يأتي الراكب فيسألك عن الشيء ويأخذ من
--> ( 1 ) في الرازي ص 415 وأما همام فكان يروي عن أبي هريرة وله عنه رواية كثيرة مستفيضة . ( 2 ) ما بين القوسين من « ب » ولا يتم الكلام إلّا به . ( 3 ) في « ب » من الخمر وكذا ومائة وكذا أبو محمد .