أبو العباس الغبريني
28
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
شبه سنة فرأيت مرجا مريعا مخضر الجناب ، رائق الجلباب ، وفي وسطه بركة ماء كأنها اللجين ، وفي ذلك المرج طاوس لا يرى في طواويس الدنيا مثله ، وإذا به يخاطبني بلسان فصيح ، ونطق بيّن صريح ، يقول لي اطلب حقا واجبا اطلب حقا واجبا ، فأتممت الصلاة وجلست بمجلسه المبارك لاستماع الذكر ، وبعد فراغه وانصراف الناس عنه أقبل عليّ وقال لي أفتاك ربك ، فقلت له أفتاني يا سيدي . قلت وفي هذا له - رضي اللّه عنه - كرامات أحدها احالته على فتيا ربه ، والثانية صدور الفتيا له ، والثالثة اخباره له بأن ربه أفتاه واطلعه على ذلك . وكراماته رضي اللّه عنه وأحواله المباركة الصادرة عنه مما لا يحصى وصفه ، ولا يسع نظمه ووصفه . ولما اشتهر امره ببجاية سعي به عند خلفاء بني عبد المؤمن « 1 » بمراكش ، فأمر بطلوعه إلى مراكش وكتب لوالي بجاية في ذلك وأمر أن يحمله خير محمل ، فلما وصل إليه الأمر ، اجتمع عليه أكابر أصحابه وعز عليهم فراقه وتألموا من حاله وانفوا عليه ، فقال رضي اللّه عنه لا عليكم ، شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي ، منيته قدّرت بغير هذه البلدة ولا بدّ من الوصول إلى محل منيته . فقيّض اللّه له من يحمله برفق ويسوقه إلى مرام المقادير أحسن سوق ، والقوم لا أراهم ولا يرونني ، فطابت بذلك نفوسهم وذهب ضيرهم وبؤسهم ، وارتحل رضي اللّه عنه إلى أن وصل تلمسان ونزل بها بالموضع المسمّى بالعبّاد وهنالك قال لأصحابه رضي اللّه عنه : لا بأس بالنوم بهذا المكان ، فوافته هناك منيته ، وشرّفت تلك البقاع تربته ، وهذه من جملة كراماته رضي اللّه عنه وقبره هناك معمر مشهود ، وحوض مورود ، والدعاء عنده مستجاب ، وهو
--> ( 1 ) بدأت خلافة بني عبد المؤمن سنة 524 ه ، اي بعد وفاة محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين ، وكان عبد المؤمن بن علي أول خليفة تولى الزعامة عقب وفاة المهدي بن تومرت ، فأتم افتتاح المغرب من يد المرابطين وقضى على دولتهم بافتتاح مراكش سنة 543 ه . ثم افتتح الأندلس من يد المرابطين وحلفائهم . توفى في رباط سلا سنة 558 ه وهو في طريقه إلى الأندلس مجاهدا ، وقد عاشت الدولة الموحدية من بعد حتى سنة 668 ه 1269 م .