أبو العباس الغبريني

27

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

وانه سأل عن السبب فقيل بسبب ما اكتسبت من المال ، فسأل واستغاث ، فخلي عنه فتاب إلى اللّه تعالى ونزع نفسه عن الكتابة واشتغل بملازمة العبادة ولزوم القراءة ، واستعمل حرفة الخياطة للمعيشة « 1 » فلم يكفه ما ينتحله من ذلك فضاقت حاله وساءت ، فسار يوما إلى والدته فأخبرها بضيق حاله وما انتهى إليه أمره ورغب أن يجد عندها فرجا فقالت له : يا بني ، واللّه ما عندي شيء ولا أعلم لك نفعا سوى هذا الرسم ، وهو رسم دار كانت لها ، واغتصبها الموارقة « 2 » حين دخولهم بجاية واستمر الغصب عليها ، فخذه واطلب الدار وهي لك . فأخذت ذلك الرسم ومشيت به إلى الفقهاء استفتيهم فيه ، فاستفتيتهم فأفتوني بجواز الطلب وإن الحق لمستحقه وجب ، فقلت قد استفتيت فقهاء الدنيا ولا بد أن استفتي فقهاء الآخرة ، قال فسرت إلى الشيخ أبي مدين رضي اللّه عنه بالمسجد المعروف الآن بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي « 3 » رضي اللّه عنه بحومة اللؤلؤة « 4 » فقصصت عليه القصة وسألته الفتيا فيها ، فقال لي رضي اللّه عنه استفت ربك يفتك ، فقلت له يا سيدي وهل بلغت أن يفتيني ربي ؟ فقال لي استفت ربك يفتك ، قال وكان هذا وهو ينتظر صلاة الصبح ، فأقام المؤذن الصلاة وتعلقت نفسي بالفتيا ، فلما كنت في الركعة الثانية من الصلاة عرض علي

--> ( 1 ) في أنس الفقير ص 101 « وتاب إلى اللّه تعالى ولازم العبادة واستقل بالقراءة واحترف بالخياطة » . ( 2 ) الموارقة نسبة إلى جزيرة ميورقة بالأندلس ، وكان محمد بن علي ابن غانية قد عبر إليها وملكها وأنشأ دولة مستقلة بها بعد وفاة أخيه يحيى ابن غانية سنة 543 ه . وقد عمل بنو غانية الميورقيون على تقويض دولة الموحدين بالأندلس والمغرب الأوسط للأخذ بثأر اخوالهم المرابطين ، والحادثة التي يشير إليها صاحب « عنوان الدراية » وقعت سنة 580 ه ، وذلك حين فاجأ أسطول المرابطين بقيادة علي بن غانية بجاية واستولى عليها . ( 3 ) هو أبو زكرياء يحيى بن علي - وقيل بن أبي علي - الزواوي ، من الفقهاء الزهاد ، من أهل آمسيون خارج مدينة بجاية . انظر ترجمته في هذا الكتاب رقم 27 وراجع أيضا « التشوف إلى رجال التصوف » ص 447 449 ( 4 ) في - انس الفقير - ص 11 « بحومة اللولة » .