أبو العباس الغبريني

209

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

الجأش ، وكان إذا حضر مجلس أمير المؤمنين ابن عبد المؤمن « 1 » وتقع المذاكرة بين يديه ، يسامحه الحاضرون من الطلبة في المذاكرة ، وكان هو لا يسامحه في شئ ، وكان أمير المؤمنين يجد منه في مجلسه ويعرف له مع ذلك فضلا فلا ينقصه شيئا من حقه . وكان بينه وبين القاضي أبي الوليد ابن رشد « 2 » إخاء وصفاء ، ولما وقعت الواقعة التي تكلم عليها أبو الوليد في كتاب « الحيوان » له حيث قال : « رأيت الزرافة عند ملك البربر » وهمّ أمير المؤمنين بالفتك به ، لم يكن سبب نجاته غيره مع موافقة القدر ، وتسبب في ذلك بوجهين ، أحدهما كان جرى بمجلس أمير المؤمنين منع العمل بالشهادة على الخط ، ولما وجد هذه القضية همّ بالعمل بها ، فحاجّ أمير المؤمنين وقال له : منعتم الشهادة على الخط في الدرهم والدينار وتجيزونها في قتل المسلم ، والوجه الثاني أنه قال : انما الكتب « رأيت الزرافة عند ملك البربر » وانما جاء فيه زيادة ونقص وهذا أحسن ، وكل ذلك من قوة الجأش . ومن طرفه ، رحمه اللّه ، انه لما وقع الحضور بمجلس أمير المؤمنين وأحضرت فيه لآلئ نفيسة في طبق وعرضت على الحاضرين في المجلس واستحسنوها فعدّت وفقدت منها واحدة ، فهمّ أمير المؤمنين بتفتيش الحاضرين ، فأشار عليه بسوق قلّة من ماء مملوءة ، ويدخل فيها كل انسان يده سترا على الفاعل ،

--> ( 1 ) هو أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن علي الكومي ، أمير المؤمنين ، ثالث ملوك دولة الموحدين بمراكش . بويع له سنة 558 ه . وكان كثير الميل إلى الحكمة والفلسفة ، استقدم اليه بعض العلماء من الأقطار الاسلامية وفي جملتهم ابن رشد . وهو باني مسجد إشبيلية ، توفى سنة 580 ه . ( 2 ) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي ، فيلسوف وطبيب . ولد في قرطبة وولي قضاءها . رحل إلى مراكش وتوفى فيها سنة 595 ه . صنّف نحو 50 كتابا ، وعني بكلام أرسطو فترجمه إلى العربية . من كتبه « فلسفة ابن رشد » و « الحيوان » و « تهافت التهافت » وغير ذلك .