أبو العباس الغبريني
210
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
فسيقت القلّة وابتدئ بمن عن يمين الفقيه أبي عبد اللّه أو من عن يمين أمير المؤمنين ، وكان هو على يساره ، فلما انتهت القلة اليه ليدخل يده فيها امتنع وقال : صبوها فان وجدتم حاجتكم والا فهي عندي ، فصبوها فوجدوها ، فخلص من الشك فيه . وهذا من نبله وسياسته رحمه اللّه . وكان له علم بالفقه والأصلين والخلافيات والجدل ، وله في المعقول الحكمي نظر . وسئل في التصنيف فامتنع وقال : قد سبق الناس بذلك وما عسى أن يأتي به ، فعدّ هذا من عقله ؛ وسمعت بعض الطلبة يقول إن له تقييدا على « المستصفى » لأبي حامد ( الغزالي ) وأظنه صحيحا « 1 » ولعله انما علق عليه . ورأيت بخطه رحمه اللّه تأليفا في الموسيقى ، وقال لي بعض الطلبة : انه من تصنيفه وما وثقت بذلك ، ويظهر لي انه كلام أبي علي ابن سينا . وكانت فيه دعابة وفكاهة لا تخل برتبته ولا تحط من منصبه ، ولقد سمعت انه وقعت بينه وبين بعض أصحابه من الطلبة مخاشنة فقال له صاحبه : تعاملني بهذا وانا أسنّ منك وأسنى وأجلّ ؟ فقال له : نعم أسنّ بموسى وأسنى بسانية وأجل في مربطك ، فتضاحكا واصطلحا . وكان مؤثرا لأهل الطلب ، قابلا على أهل الأدب . أخبرني الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع رحمه اللّه قال : كان الفقيه أبو عبد اللّه القاضي ابن إبراهيم الأصولي ينتابه من يتكرم عليه ممن له رتبة عند خلو مجلسه من الطلبة فيجلس بإزائه ، فإذا جاء طالب افسح له بينه وبينه ، ثم كلما اتى طالب فعل ذلك ، حتى يعود الاحظى عنده ، القريب المجلس عنده ، أبعد الناس مجلسا منه ، فكان لا يرى الحضرة الا للعلم . وكان شديدا على ولاة الامر الذين يكونون معه ببلد قضائه ، لا يسامحهم في شيء من أمورهم ويجاهدهم بما يكرهون في حق اللّه وفي حقوق المسلمين ، وقد
--> ( 1 ) راجع الحاشية رقم 1 صفحة 208 والتكملة الترجمة 1726 .