أبو العباس الغبريني
148
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
حقيقيا بالظاهر والباطن ، بالترك للدنيا كلها وعدم الميل إلى شيء منها ، وكان ذلك عن طيب نفس ورضى بأن الدنيا لم تكن عنده شيئا ، وكان كل ما يرد عليه منها ينفصل عنه من ساعته ولا يتمسك منه إلا بحاجة وقته ، ولقد زهد ، رضي اللّه عنه ، حتى في الكتب ، فإنه لم يكن عنده منها شيء ، وكان لا يفتقر في مواعيده إلى مطالعة أو مراجعة شيء ، لاحاطته وتحصيله ، وجميع ما صنّفه من الكتب ما كان يراجع فيه كتابا ولا يطالع فيه سوى مجرّد فكره وتسديد نظره . وسمعت انه ، رحمه اللّه ، أصبح يوما ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم ، وكانت له جارية هي أم ولد تسمى كريمة ، وكانت سيئة الخلق ، فاشتدّت عليه في الطلب وان الأصاغر لا شيء لهم ، فقال لها الآن يأتي من قبل الوكيل ما ينتفعون به « 1 » فبينما هم كذلك ، وإذا الحمّال « 2 » يضرب الباب بشكارة قمح ، فقال لها يا كريمة ما أعجلك ، هذا الوكيل بعث بالقمح ، فقالت : وما يصنع بالقمح ومتى يصنع ، فأمر به فتصدق به ، وقال لها : يأتيك ما هو أحسن منه ، فانتظرت يسيرا وبدا لها في صدقته وتكلمت بما لا يليق من القول ، فبينما هم كذلك ، وإذا بحمال بشكارة سميد ، فقال لها هذا السميد أيسر وأسهل من القمح ، فلم يقنعها ذلك ولا رضيت ، وتكلمت بمثل ما سبق من كلامها ، فأمر أيضا بصدقته ، ولما تصدق به زادت في المقال ، فبينما هم كذلك وإذا برجل على رأسه كاملة « 3 » فقال لها يا كريمة ، قد كفيت المؤونة ، هذا الوكيل قد علم بحالك ، فأغناك عن أعمالك . وعلى مثل ذلك ، كان حاله رضي اللّه عنه ، وهذه المسألة جمعت الزهد والكرامة ، وأنا إن شاء اللّه أذكر من كراماته ومكاشفاته ، ما يدل على قدره وبهجة امره رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) وفي نيل الابتهاج ما تتقرّت به . ( 2 ) في نسختين الجمّل . ( 3 ) كذا في جميع النسخ وفي نيل الابتهاج كاملى - م . ش - قلت : وفي نفح الطيب ج 2 ص 388 وإذا برجل على رأسه طعام .