أبو العباس الغبريني
128
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
لكانت مجلدات وأحواله كلها كرامات . وكان يجلس لعلوم الحديث ولعلوم الفقه ولعلوم التذكير ، وكان الغالب عليه رضي اللّه عنه الخوف ، ما يمر بمجلسه إلا ذكر النار والاغلال والسعير ، وتكاد تفيض قلوب الحاضرين في مجلسه ، هذا هو حاله دائما . وهذه الطريق ، هي أحسن الطريق في الدعاء إلى اللّه تعالى ، إذ جبل اللّه الخلق على أنهم لا ينفعلون غالبا إلا بالخوف ، ولأجل هذا كان أكثر الشريعة تخويفا . وما زال رضي اللّه عنه مستمرا على هذا الحال إلى يوم وفاته ، يبسط أمل الناس ورجاءهم في رحمة اللّه وفي سعة مغفرته ، ومناهم بما عنده من كثرة الثواب ، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه ، وهذا طريق حسن ، لأنه لم يبق عند لقاء اللّه الا الطمع في رحمته والرغبة فيما عنده ، لأن الخوف فائدته إنما هي الحض على العمل ، وحين الموت انقطع العمل ، ولم يبق إلا قوة الأمل لتلقى اللّه طيبة نفسه ، فيحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءه ، حسبما اقتضاه الحديث . ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته ، بخط الشيخ المقرئ ، أبي العباس ابن الخراط « 1 » وأنا اذكره بنصه ، قال رحمه اللّه : ان وفاته كانت بعد صلاة العصر من يوم الجمعة ، الرابع عشر من شهر رمضان المعظم من عام أحد عشر وستمائة ، وتوفى في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض ، وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم ، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان ، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم ، وعلم من نحواها ما لم نعلم ، إذ وثب قائما ، فنزع طيلسانه وطرح رداءه ، وحسر رأسه وبسط يديه ومد ذراعيه ، فأمسك عن القراءة ، فتعوّذ بصوت رفيع وبسمل ، فافتتح بقول اللّه تعالى « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » ولم يزل يرددها ويكررها بتحذير وترنين ، ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع ، وأخذ يبين
--> ( 1 ) الصواب أبو عبد اللّه ابن الخراط . انظر ترجمته رقم 28