أبو العباس الغبريني

129

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

لهم ما أعد اللّه من سعة الرحمة واضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات ، وان اللّه لا يضيع اجر من أحسن عملا ، ثم قال : يا اخواني سألتكم باللّه الا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي ، ولا تنسوني فإني جار لكم ، ولست أنساكم ، وأكثر من هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر انه راحل من الدنيا ، وان ذلك وداع منه للناس ، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهود منه ، ولما حانت صلاة الجمعة وأخذ الناس في الرواح وجلس الإمام على المنبر ، وأذّن المؤذن ، خرج على الناس من زاويته ، وجلس منصتا لاستماع الخطبة ، فلما قضيت الصلاة ، نصبوا له كرسيه واستوى عليه ، وازدحم الناس ينظرون اليه ، فأخذت في قراءة كتاب المسند الصحيح ، من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، تصنيف الإمام الحافظ ، أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري « 1 » رضي اللّه عنه ، وهو ينظر إليّ ، فاعتراه شبه غشي أماله على جانبه الأيمن ، فبادرت اليه مع بعض من قرب منه خشية السقوط ، فحملناه وأدخلناه زاويته وأطبقنا الباب دونه ، فبادر اليه من كان يخدمه من أهله وجلسنا ننتظر عاقبة أمره ، إلى أن أذّن مؤذن العصر وأخذ الناس في التنفل ، ثم أقيمت الصلاة ، فسمعنا في الزاوية حركة اغتسال نفهم منها تجديد طهارة ، ثم سكنت تلك الحركة ، وقد أدرك فضل صلاة الجمعة ، ثم استلقى مستقبلا فقبض طاهرا صائما صامتا معتكفا في الجامع الأعظم ، صحيحا سويا ، دون مرض ولا ألم ، قدّس اللّه روحه ، وبرّد ضريحه ، ونفع به وبصالح دعائه . وفشا الخبر في الناس ، فتسابقوا اليه ، وحشروا من كل ناحية عليه ، وارتفع صراخهم واشتبكت أصواتهم ، ونما ذلك إلى من كان له الأمر ببجاية حينئذ ، فوجهوا نقيبا لصيانة جثته الطاهرة الزكية من ابتذال من يلي بها

--> ( 1 ) هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ، حبر الاسلام والحافظ لحديث رسول اللّه ( صلعم ) ولد سنة 194 ه في بخارى وتوفي سنة 256 ه ب ( خرثنك ) من قرى سمرقند . وقد سبقت الإشارة اليه .