أبو العباس الغبريني
11
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
الرجل من إحاطة واسعة بثقافة وعلوم عصره ، إلّا انه قد تأثر إلى حد كبير بسلوك فئة قليلة من شيوخه من الزهّاد والمتصوفين ، المؤمنين بقدرة قيام بعض الناس بعمل المعجزات والخوارق ، فآمن مثلهم وسلك سبيلهم ، ثم عمد إلى تسجيل ما سمع منهم من قصص لا يقبلها عقل ، ضمن إطار من التهليل والتكبير ، بالإضافة إلى توبيخ المعرضين عنها والمنكرين لها وانذارهم بسوء العاقبة والمصير في الحياة الدنيا والآخرة . وإذا علمنا أن الغبريني ألّف معظم كتابه في السنوات الأخيرة من حياته ، وبعد ان « سلك طريق اليأس من مداخلة الناس » أدركنا مدى أثر بعض هؤلاء الشيوخ في نفسه وعلى تفكيره وحياته . . ولعلّ قوله - بعد ان سرد قصة من هذه القصص - « وقد يقع في هذا انكار من ملحد لا علم له ، وحقه الاعراض عنه وعدم الالتفات اليه ، وان زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه ، كما جمع اللّه له الخزي في أولاه وأخراه » « 1 » . لعلّ هذا القول أصدق برهان على صحة ما ذكرناه . وهذه اللوحة البسيطة التي رسمناها لفترة من حياة الغبريني ، تنطبق على غيره أيضا ، فالرجل لم يكن أول المؤلفين في هذا الميدان . إنما سبقه بعض من ترجم لشيوخه وأتى على ذكر مثل هذه القصص والدعوة إلى تصديقها والايمان بها . ثم جاء بعده آخرون وساروا على نفس الطريق . ولا أكون مغاليا إذا قلت : ان في العالم الاسلامي وفي يوم الناس هذا ، يوجد من يكتب مثل هذه القصص في مؤلفاته ، إلّا اننا نؤمن ، ان هؤلاء المعاصرين الذين يقومون بهذا العمل ، لا يقومون به عن إيمان خالص أو لوجه اللّه والوطن ، إنما عن قصد سئ ونية خبيثة ، ولوجه غير وجه اللّه والوطن . وهم يعلمون ان الانسان العربي في هذا العصر ، مهما كان مذهبه أو دينه الذي ينضوي تحت لوائه ، يفحص ويحلل ويقارن دون ان تتغلب عليه رهبة التقديس ، وانه لا يستطيع تصديق مثل هذه القصص أو قبول نظرتها للحياة والفكر والوجود . ولذلك نجدهم يزرعون
--> ( 1 ) راجع الترجمة رقم 5