أبو العباس الغبريني

12

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

هذه الأشواك في الأماكن البعيدة عن التقدم والعمران ، ويبتعدون عن مواطن العلم ومراكز التثقيف . امّا شيخنا الغبريني ، الذي وقع تحت رهبة التقديس ، شأنه شأن الكثيرين من رجالات الدين القدماء في العالم الاسلامي ، الذين جنت عليهم شطحاتهم إلى حد الاغراق والمبالغة ، التي يجانبها الإبداع الفكري ، فإنه لم يكتف بسرد وتسجيل القصص التي اعتقد انها حدثت في عصره ، إنما عاد إلى الكتب القديمة المحشوة بمثل هذه القصص ، ونقل مجموعة منها ثم جعل كل واحدة ذيلا لقصة من قصص بعض شيوخه ، كأنه يقول لقارئه - وقد رأى عليه ملامح الشك - إن لم تصدق الحاضر فدونك حكايات من الماضي ، أو بمعنى آخر ، أراد - وهو الخبير بشؤون القضاء - ان يكثر من الأدلّة والبيّنات التي تؤيد وجهة نظره ، ويجعل منها حجة قوية في يده ضد خصمه الذي لا يؤمن بصحة مثل هذه القصص والحكايات ولا يصدقها ؛ فسجلها في كتابه . أسلوبه : لا نعتقد ان الغبريني ترك من المؤلفات غير « عنوان الدراية » ، فلا هو نفسه ولا الذين ترجموا له أو أرّخوا لعصره ، ذكروا غير هذا الكتاب . ولذا نستطيع ان نحكم على أسلوبه النثري من خلال مضمون كتابه الوحيد . تأثّر الغبريني تأثرا قويا بالسجع ، فلازمه في كتابه من عنوان الكتاب نفسه إلى آخر سطر من سطور صفحاته . كما أنه أغرم بالجمل القصيرة والتزيينات اللفظية . فعمد في كل ترجماته إلى صيغ وعبارات تكاد تكون واحدة في الأسلوب . فعبارة « الفقيه المجتهد المحصل المتقن » مثلا ، وكذلك عبارة « الفقيه الصالح الزاهد الورع » نجدها وصفا أطلقه المؤلف على المترجم لهم دون تمييز أو تفريق بين أديب وشاعر ومحدث ومؤرخ ، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة ، إذ من غير المعقول ، ان يكون جميع الاشخاص على مستوى واحد في المعلومات