محمد بن صالح الكناني
48
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
تصدر الشيخ بوهاها للتدريس ، كان ولا زال يدرس فيه إلى مرضه الذي مات فيه ، وكذلك فإن الشيخ العلامة القاضي المدرس أبا الفلاح صالح الجودي درس فيه مدة كثيرة ، وبحلقته جميع طلبة الوقت ، ومن جملتهم محقق هذا ، وكذلك أصلّي فيه التراويح مع أبي الفلاح الشيخ صالح الرّمّاح من سنة ثمانية وسبعين ومائتين وألف ، إلى هذه السنة . تقبّل اللّه منّا ، ومن جميع المسلمين الأعمال الصالحة ونفعنا ببركاته . 23 - أبو الحسن علي بن دخيل : قال الحربي : أخبرني الرّجل الصّالح أبو عبد اللّه محمد ابن عائشة الغرابلي قال : كان الشيخ المذكور جدّي من قبل الأمّ ، وكان نسّاجا ، فبينما هو ذات يوم ينسج بسقيفة داره ، إذ جاء على لسانه من نظم الشيخ الدمياطي : وهب لي يا وهّاب علما وحكمة * وللرّزق يا رزّاق كن لي مسهّلا وكرر فإذا الحائط انشق ، وخرج منه رجل وخلفه رجلان يحملان معلفا من أذنيه مملوءا بالذهب سكة ، فسلّم ذلك الرجل الأول عليه وقال له : يا سيدي خذ هذا المعلف ، والتفت إلى الرّجلين خلفه وقال لهما : قرّباه إليه ثم قال له : خذ هذا على جهة البركة ، فأنا ابن سلطان الجنّ ، وخديم الاسم الذي ذكرته ، فامتنع من قبوله وقال له : لم أذكره بقصد الدنيا ، وإنما ذكرت بقصد التبرك لا غير ، فخذ ما جئت به وابعد علي ، وإني لا أعود لذكر ما ذكرته فراوده على قبول المعلف أو شيء منه ولو يسيرا فلم يقبل منه شيئا بعد الإلحاح ، ثم طلب منه قراءة الفاتحة والدعاء له بخير ، فقرأ له الفاتحة ودعى له بخير ، وانصرف هو ومن معه بما ذكر ، ولم يأخذ الشيخ شيئا قال : قلت : فهذا يدل على زهده في الدنيا ، وكان رحمه اللّه ورعا ، ومما يدل على ورعه ما حكاه لي حفيده المذكور قال : إذا تقطع له خيط من المسدية يربطه ويستحضر محله ، فإذا وصل إليه بالنسج يجعل عليه نكتة من المغرى علامة أن به عيبا ، وإذا دخل وقت العصر كل يوم يقص ما نسج في ذلك اليوم ، كثر أم قلّ . ويبيعه بسوق العصر . قال : قلت : ولم أقف على تاريخ وفاته ، وقبره بوسط صحن داره الشرقية بربض الصفيحة تجاه جامع الزيتونة من بابه الغربي المفتح الكائن بداخل الربض المذكور رحمه اللّه تعالى . قلت : والعجب من الشيخ الحربي لما ذكر حفيده سيدي محمد ابن عائشة ، كيف لا يترجم عليه والحال أنه من أكابر الأولياء ومات قبله .