محمد بن صالح الكناني

41

ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان

وركبنا المركب وسرنا فما طلع النهار ، إلا ونحن بسوسة ، فنزلنا وقصدنا القيروان فلما وصلتها وجدت الشيخ رضي اللّه عنه بباب الربض واقفا ، فلمّا رآني تبسّم ضاحكا وقال لي : أتيت برزقك وبمالك ؟ فقلت له : يا سيدي أرسلتني إلى سوسة فأخذتني النصارى فقال لي : يا ولدي واللّه فتشت المشرق والمغرب ، والقبلة والجوف ، فما وجدت رزقك إلا في بلد النصارى فأرسلتك إليه ، ثم ذهب الرجل لداره فوجد النساء مجتمعات مع زوجه فقلن له : أبطأت عنا وتعالى النهار ، فحكى لهنّ القصّة ، فضحكن من كلامه ، ثم ذهب إلى السوق ، واشترى كلّ ما يحتاج إليه وحبّس على الشيخ رضي اللّه عنه أحباسا كثيرة لها بال . قال : ومنها ما وقع لأخي محمد ، فإنه كان مرض في الوباء وأشرف على الموت ، فأتاه الشّيخ وسأل عن حاله ؟ فقلنا له : إنه يعالج في سكرات الموت فرجع لداره ، ثم أتانا فقال : أتاني الخضر عليه السلام وقال لي : اقرأ عليه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] « 1 » ألف مرة فإنه يبرأ . فقرأ عليه فبرئ . قال : ومنها أني كنت وقعت في مرضة شديدة ، وكان الشيخ رضي اللّه عنه يأتيني بعد صلاة الصّبح فلا يخرج إلّا بعد صلاة العشاء ، فجاء يوما كعادته ، فلمّا دخل عليّ قلت : لا إله إلا اللّه ليت رجلا من أولياء اللّه يضع يده على جسمي يخفّف اللّه أعضائي ، حتى أشرب بيدي ، وأجمع الغطاء علي ، فلما همّ بالجلوس تغير وجهه ولم يجلس ، فمشى إلى داره ثم رجع وقد ظهر السّرور في وجهه وقال لي : يا أحمد ، ذهب السّوء أتاني الخضر عليه السلام بعد أن خرجت من عندك ، فقال لي : أحمد يعافى من هذا المرض لكن بعد طول . قلت له : إن شاء اللّه مستبعدا لذلك ، فقال لي : كان الشيخ أبو عبد اللّه سيدي محمد الجديدي حجّ مع رجل من تلامذته يقال له : عبد النبي ، فلما وصلوا وقصدوا الحجّ قال له الشيخ : أنا أذن لي في المقام هنا ، فقال له : يا سيدي لو علمت أنك لم تردني إلى مكاني ما جئت ، فقال له : يا عبد النبي ، أنت ما في قلبك إلّا دويرتك وتأخذ مفتاح جنانك ، وتأكل من ثمرته ، وأنت يا أحمد لا بدّ لك أن تبرأ وتركب فرسك حتى يحضر أجلك غير هذه المرة ، ثم مشى إلى داره وقد ازداد علي من المرض ما لم يأتني

--> ( 1 ) عدد آياتها ( 4 ) آيات .