محمد بن صالح الكناني

42

ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان

قط ، ثم رجع الشيخ إليّ وسلم علي فرددت عليه السلام ردّا ضعيفا وقال لي : ما حالك ؟ فقلت له : إن الحاج عبد النبي لم يصل إلى الجنان فقال له : واللّه لا بد له أن يصل إليه ، ثم جلس ووضع يده على رجلي ومرّ بها إلى ساقي فأحسست البرد دبّ ، فلما وضع عليه يده ثم على سرّتي ، كذلك إلى صدري كذلك ، فلما أحسست بذلك ، أخذت الإناء وشربت بيدي ، وأخذت الغطاء وجعلته عليّ وضحكت فقال لي : ما لك ؟ فقلت له : طيب فمن تلك الساعة سرت زيادة في البرء إلى أن قمت . قال : وقال لي الشيخ : يا ولدي ، أنا اليوم من الذين إذا نظر اللّه إليهم سكن غضبه في جميع خلقه ، يا ولدي واللّه ما في قلبي طمع في الجنة ، ولا خوف من النار ، وكأني أتتني من اللّه براءة بالأمن من الدنيا ، ببراءة بالأمن في الآخرة . وقال له والدي يوما : يا سيّدي كنت كثيرا ما تخبرنا على الخضر عليه السلام ، ولك مدة ما أخبرتنا عنه بشيء فقال له : هذا مكانه البارحة إلى موضع أشار إليه . ومنها قال : لما مرض والدي رحمه اللّه وتوفي من مرضه ، خرج به الشيخ من المقبرة بالجناح ، فلما وصل به إلى برج الزريبي قال له علي : إن روح والدي فوق القبر وهو فرح برؤيتك يقول : يا سعدي بعلي ، يا سعدي ببرئه قال : ومنها أنه لما مات الشيخ الإمام المفتي المصنّف أبو عبد اللّه محمد بن خلف الأندلسي ، حضر جنازته الشيخ سيدي أبو القاسم فقال حوله : إنّ روح الشيخ محمد بن خلف ترفرف فوق النّعش وتقول : مغفور لكم يا قرويون . وقال : توفي الشيخ سيدي أبو القاسم رحمه اللّه سنة ثلاثين وتسعمائة ودفن بزاويته . قال الحربي : قلت : وزاويته هي الشرقية المفتح بربض القبلية تجاه شبّاك حومة الأشراف ولها باب آخر قبلي المفتح داخل ربضه على يمين الداخل للربض المعروف به اليوم ، وعلى قبره أنوار وهيبة عظيمة ، وجلالة كبيرة رحمه اللّه عليه ورضوانه لديه . قلت : ونختم ترجمته عمن أخذ الطريق على سبيل الإجمال ، أخذها من طريقين ، طريق يتصل بالإمام الغزالي ، وطريق يتصل بابي مدين الغوث إلى سيدي عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنهم . ولكل مسلك للسابقين ، وقلت لما جاءت طريقة الشيخ سيدي عبد القادر إلى القيروان ، استفتحت الجماعة في خدمتها بزاوية الشيخ سيدي أبي القاسم هذا سنين عديدة ، حتى يسّر اللّه سبحانه بناء زاوية الشيخ سيدي عبد القادر ، فتحولت الجماعة لها . وهذا دليل في استجلابهم لزاويته حتى بنيت زاوية الشيخ ، مع أن زوايا كثيرة بالقيروان لا تحصى .