محمد بن صالح الكناني
39
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
الأعلى ، وخلعت الفكّين وألقيت نصفه على هذا الصف ، ونصفه الآخر على هذا الصف ، ففروا ولهم صياح . قال : ولما ارتحل إلى القيروان نزل دارا في الرّبض الّذي هو به الآن مدفون ، وكان بها عمّار من الجنّ يعرف ذلك من يسكن فيها مما يصيب أولادهم . فقال : لما حللت بها ، ارتحلوا منها ، فكنت أراهم مرتحلين كهيئة الهطايا « 1 » زمن الحصاد ، وأتت طائفة من الجنّ ، وطلبوا منه أن يستخدمهم فأبى ، ولما ورد إلى القيروان السلطان أبو عبد اللّه محمد الحفصي ، طلب ملاقاة الشيخ رضي اللّه عنه فامتنع من ذلك فألحّ عليه حتى قال : إن لم يأتني آته ، وأرسل إليه بذلك فقال : بل أنا آته ، قياما بحقه فاجتمع به في زاوية الولي الصالح سيدي أبي عبد اللّه محمد الجديدي رضي اللّه عنه ، فلما صافحه أصاب السلطان من هيبته أمر عظيم ورعدة شديدة ، فوضع الشيخ يده على صدر السلطان فسكن ما به ، فقال له : يا سيدي الشيخ سل تعط ، فقال : أوصيك أوصيك بهذه الزاوية ، فقال له : هذه زاويتنا ، ومرادي ما يكون لكم فأبى أن يسأله شيئا وانصرف عنه . وقال : ألقيت إلي كلمة من الغيب ، فسألت عنها الأرض فلم يجبني فيها أحد ، وإنما أجابني فيها بعض رجال تحت أطباق الثّرى وهو الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه . وكان يجتمع مع تلامذته بمسجد الربض الذي هو به الآن مدفون ، فيذكرون اللّه تعالى ويدورون حلقة ، فإذا شرعوا في الذكر تصير سواري المسجد المذكور تتحرك ، وكذلك حلق بابه أيضا فيخرج بعض التلامذة ينظر من بالباب فيجد الحلقة تتحرك وحدها وليس ثم أحد ، فأخبروا الشيخ رحمه اللّه بذلك فقال : لا عجب من هذا ، فإن كلمة لا إله إلا اللّه يتحرك بها من العرش إلى الفرش . وقال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : وقفت على حلقة الذكر عندكم أحد عشر مرة فلم أر مثلها في حلق الذكر ، وكان رحمه اللّه تعالى وقت الذكر يقول للتلامذة : حركوا الهاء ، حركوا الهاء ، حركوا الهاء « 2 » .
--> ( 1 ) لغة عامية . ( 2 ) المراد « بالهاء » اسم اللّه تعالى « اللّه » .