محمد بن صالح الكناني

37

ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان

لَغَفُورٌ شَكُورٌ [ فاطر : 34 ] . الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [ فاطر : 35 ] . ثم وضع فاه على في ، وألقى فيه شبه الياقوتة أضاء منها جسمي كما يضيء عالم الملك للشمس ، فما زلت أشهدها إلى أن استقرت بقلبي ثم قال لي : اكتم . ذكر أحواله وورعه وزهده وقال الحربي : قال : أما أحواله رضي اللّه عنه ، فكان زاهدا ، ورعا كثير الصلاة ، متمسكا بالسّنّة ، متجنبا لاتباع الرّخص والتأويلات ، وكان لا يلبس إلا الصّوف ، إما الأبيض ، وإما الأبلح ، الذي تسميه العامة صباغ اللّه ، ولا يركب الحمار إلا قليلا . وقال يوما للفقراء : لقد مكثت خمسة عشر يوما ما أكلت فيها إلا تفاحة ، إذا حلّ الفطر أخذت بطرف أسناني منها شيئا فرارا من الوصال ، وكان يلوم الفقراء على كثرة الأكل والنوم يقول لهم : « تأكلون حتى يمرار « 1 » ، وترقدون حتى يطلع النهار ، وتطمعون في منازل الأبرار ، لا باللّه الذي لا إله إلا هو » . وكان له ميزان يزن به ما يأكل وذلك زنة بيضة الدّجاجة . قال : وقال : سيدي علي الخياط باللّه الذي لا إله إلّا هو ، لي أربعون عاما ، ما ملأت جوفي طعاما وأنا أقول : باللّه الذي لا إله إلا اللّه منذ عرفت الفقراء ما ملأت جوفي طعاما ، وكان إذا دخل شهر رمضان ، انقطع عن الناس في الدار الشهر كله ، فإذا جاء يوم العيد خرج ووجهه كالهلال وعليه نور وبه نحول كأنه جسد بلا روح ، وفي صوته بحّة . هذا وعمره إذ ذاك ، خمسة وثمانون عاما ، وكان رجل من تلامذته اسمه علي بن خليفة رضي اللّه عنه أصابه حال ، فجعل في مطمورة ومكث شهرين لا يأكل ولا يشرب ، وإنما يرضع خنصر رجل الشيخ سيدي أبي القاسم رضي اللّه عنه فكفاه ذلك وكان يخرج منه سمن وعسل ، وكان إذا ذكره يقول : سيدي ومولاي مرضعي وغذائي .

--> ( 1 ) يمرار مثل عامي . والمراد أن يصير مذاقه مرّا بعد لذته وطيبته .