عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

6

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وقال أيضا : « إذا تعلّق قلب الفقير باللّه تعالى خفت مؤنته على قلوب المؤمنين » . وذكر الشيخ أبا الزين جميلا هذا وقال فيه : « تكون له قاعدة ويفتح اللّه عليه بدنيا وافرة وما أغناه عنها » . قال : وسمعته يقول : « من أظهر كرامة لغير ضرورة فهو مبتدع » . قال شيخنا أبو الفضل القاسم البرزلي : ووقع بصره على امرأة [ فجأة ] « 1 » فقال : العمى يا جميل . فقال الشيخ أبو يوسف من موضعه : عمى البصر لا عمى البصيرة ، فكان كذلك . قال : ودخل الشيخ أبو يوسف لمطهرة ليغتسل ، وأخذ الشيخ جميل يملأ له الماء فقال له الشيخ : يا جميل ، لو قيل لك : إن جنابتي إنما هي من زنا ما تصنع ؟ فقال له : يا سيدي ما نزيد فيك إلا اعتقادا وأقول : سبق في علم اللّه ذلك فلا بد من إنفاذه وأطلب اللّه لي ولك التوبة والمغفرة . فقال له : يا جميل ، جمّلك اللّه في الدنيا والآخرة . وكانت عجوز تعرف [ الشيخ ] « 2 » جميلا وفقراءه ، فراود الفقراء الشيخ على أن تكون العجوز في بيت معهم بالزاوية وتطبخ لهم وتتصرف ، وقالوا له : إنها عجوز كبيرة ، واحتجوا له ببعض فضائل « 3 » الصحابة رضي اللّه عنهم من أن عجوزا كانت تطبخ لهم الشعير وغير ذلك ، فلم يفعل . ثم إنه اشترى ذات يوم حوتا كثيرا « 4 » وعمل عشاءهم به ، وغسل ذلك الحوت بماء في محبس ، ثم بعد صلاة العشاء أغلق الماجل « 5 » ورفع مفتاحه وأغلق عليهم باب الزاوية ، ورفع مفتاحه أيضا ولا علم عند الفقراء بذلك ، فأخذهم عطش شديد ووجدوا الماجل مغلوقا ، وباب الزاوية كذلك ، فاضطروا إلى غسالته فشربوها ، فلما جاء الشيخ بالغد شكوا له ما أصابهم من العطش ، وأنهم اضطرّهم الحال إلى أن شربوا « 6 » غسالته ، فقال لهم : يا بنيّ إنما هو

--> ( 1 ) سقط من المطبوع المحقق 4 / 6 . ( 2 ) زيادة من : ت . ( 3 ) ط : فضائلي ، وفي ت : قضايا ، وفي هامش ط ، كتب : « لعله قضيا » . ( 4 ) في المحقق : كبيرا 4 / 7 . ( 5 ) الماجل : مستنقع الماء . راجع لسان العرب مادة « مجل » 11 / 616 . ( 6 ) ت : يشربوا .